عبودية المال والسلطة ولعنة الجحود

0 130

“أَلا تَعْلَمُونَ أَنَّكُم عِنْدَمَا تَجْعَلُونَ أَنْفُسَكُم عَبيدًا لأَحَدٍ فَتُطيعُونَهُ، تَكُونُونَ عَبيدًا للَّذي تُطيعُونَه: إِمَّا عَبيدًا لِلخَطِيئَةِ الَّتي تَؤُولُ إِلى الـمَوت، وإِمَّا لِلطَّاعَةِ الَّتي تَؤُولُ إِلى البِرّ(رومية06/من12حتى23)
في الصلاة الربانية علمنا السيد يسوع المسيح أن نقول:” وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي التَجْرِبَةٍ، لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ، وَالْقُوَّةَ، وَالْمَجْدَ، إِلَى الأَبَدِ”
أراد الرب أن يحذرنا من أنفسنا لأنه،وهو الخالق جل جلاله، يعرف طبيعتنا الترابية والغرائزية الهشة،والمعرضة باستمرار للغرق في إغراءات ونزوات الاستكبار وعشق الأبواب الواسعة التي تقودنا للعودة إلى مفهوم وطبيعة الإنسان العتيق واقتراف الخطيئة.
ترى، من منا نحن البشر لا تستهويه مغريات المال والسلطة والنزوات، وكذلك سهولة الطرق السهلة والمغرية التي تؤدي إلى الأبواب الواسعة؟
بالطبع لا أحد، وكلنا معرض للوقوع في التجربة.
ولكن الفارق الكبير والأساس في هذا المضمارهو أن هناك من يخاف الله ويوم حسابه الأخير، وضميره،الذي هو صوت الله، حي بداخله، وقد اختار عن إيمان وقناعة تحمل الصعاب والشهادة للحق ومناصرة الحقيقة والتواضع وحب العطاء والأبواب الضيقة رغم صعوبة الدخول منها.
في حين أن البعض الآخر، ولقلة الإيمان وخور الرجاء والأنانية الفاقعة، قد قتلوا ضمائرهم،أي اسكتوا صوت الله بدواخلهم، وعبدوا تراب الأرض الذي هو المال والسلطة والشهوات الغرائزية، واختاروا،على خلفية المصالح والأرباح الخاصة والجشع،الدخول من الأبواب الواسعة متعامين عن حتمية عواقب حساب اليوم الأخير،حيث لا زوادة تنفع غير الزوادة الإيمانية.
في هذا السياق من الجحود ونكران المعروف والانسلاخ عن كل ماهو ثوابت ومعايير قيمية،عندنا أخ وصديق حالياً هو في غربة عن ذاته النقية والوجدانية التي كانت تعطيه لونه الأخلاقي والإنساني والشفاف المتميز، كما أنه بات يخجل من أصحابه القدامى ويتجنبهم بعد أن اعتلى موقعاً ما مرموقاً، وأمسى من الأثرياء وأصحاب السلطة والنفوذ.
ولأن البشر كلهم إخوة وأخوات نقول مع سيدنا المسيح:” فكل من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا أيضا به في السماوات، ولكن من ينكرني قدام الناس أنكره أنا أيضا” (متى10/32و33)
نحك ذاكرة صديقنا هذا لعلنا في التذكير نلفته إلى أنه هو مثل كل البشر من التراب جبل وإليه سيعود ليكون طعاماً لدود الأرض مهما ارتفع شأناً ومهما زاد ثراءً.
نذكر الصديق نفسه أن كل ما يمتلكه الآن من مال وسلطة وعزوة هو من تراب الأرض، وكله عليها سوف يبقى عندما يسترد الله منه وديعة الحياة، حيث في تلك اللحظة لن يتمكن من أن يأخذ معه من ثروات الأرض الفانية أي شيء إلى العالم الآخر غير أعماله.
قد يسأل هذا الصديق الشارد عن طرق الوفاء: من نكون نحن وما هي إمكانياتنا “وشو بيطلع منا” ؟ومقارنا باستكبار مقزز وضعيته المستجدة مع وضعيتنا المتواضعة.
وكيف لا، وهو المتوهم بقوته وبأهميته الفائقة حيث التلذذ بعطايا التبجيل والتكريم من كل من هم حوله الآن من الجماعات والأفراد الانتهازيين والوصوليين وماسحي الجوخ؟
مسكين هذا الصديق، فهو في غيبوبة جهل وتخدر وجدانية، وفي حالة نشوة غرائزية كاذبة، وفي وضعية إنكار وتنكر مدمرة.
مؤسف أمره، فقد أغرق نفسه في أوحال المال والسلطة، وفقد ذاته النقية والطيبة، وقفز بجحود فوق حقبة عمل ونضال ومبادئ صادقة وجميلة.
لقد تنكر لكل من أحبه بصدق وسانده ووقف إلى جانبه في أوقات الشدائد، ودخل في نفق غربة عن الوفاء والصدق والعرفان بالجميل.
يبقى أنه بالغالب لن يقرأ هذه الرسالة، وحتى وإن صادف وقرأها، أو لفته أحدهم إليها فإنه سوف يسخر منها ولن يعيرها أي اهتمام لأنه واقع في التجربة ويعيش في عالم آخر وهمي وترابي،هو على الأكيد عالم إلى زوال حتمي.
يا أيها الأخ والصديق،نحن حقا لا نحسدك على ما أنت فيه، لا، بل نشفق عليك ونصلي من أجل شفائك وخروجك من هذه الغيبوبة وعودتك إلى ذاتك التي عرفنا وأحببنا.

ناشط لبناني اغترابي

You might also like