عجائب الطائي وبعض مكارمه حكايات عربية للعبرة والتسلية 5

0

الكرم كان من أهم الصفات التي حرص العربي على التحلى والتفاخر بها، وأشهر من أتصف بهذه الصفة هو حاتم الطائي حيث كان مضرب للأمثال في هذه الخصلة، فيقول ابراهيم شمس الدين في كتابه “قصص العرب” قال ابن الأعرابي: كان حاتم الطائي من شعراء الجاهلية، وكان جواداً يشبه جوده شعره ويصدق قوله فعله، وكان حيثما نزل عرف منزله، وكان مظفراً إذا قاتل غلب، وإذا سئل وهب، وإذا سابق سبق وإذا أسر أطلق، وكان إذا أهل رجب الذي كانت تعظمه مضر في الجاهلية نحر كل يوم عشراً من الإبل وأطعم النا، واجتمعوا إليه، وكان قد تزوج ماوية بنت عفير، وكانت تلومه على إتلاف المال، فلا يلتفت لقولها. وكان لها ابن عم يقال له مالك، فقال لها يوماً: ما تصنعين بحاتم، فوالله لئن وجد مالاً ليتلفنه، وإن لم يجد ليتكلفن ولئن مات ليتركن أولاداً عالة على قومك. فقالت ماوية: صدقت إنه كذلك.
وكانت النساء يطلقن الرجال في الجاهلية وكان طلاقهن أن يكن في بيوت من شعر، فإن كان باب البيت من قبل المشرق حولته إلى المغرب، وإن كان من قبل المغرب حولته إلى المشرق، وإن كان من قبل اليمن حولته الى الشام، وإن كان من قبل الشام حولته إلى اليمن، فإذا رأى الرجل ذلك علم أنها طلقته، فلم يأتها، ثم قال لها ابن عمها: طلقي حاتماً وأنا أتزوجك، وأنا خير لك منه، وأكثر مالاً، وأنا أمسك عليك، وعلى ولدك. فلم يزل بها حتى طلقته، فأتاها حاتم وقد حولت باب الخباء، فقال حاتم لولده: يا عدي ما ترى ما فعلت أمك؟ فقال: قد رأيت ذلك. قال: فأخذ ابنه وهبط بطن واد، فنزل فيه فجاءه قوم فنزلوا على باب الخباء كما كانوا ينزلون، وكان عدتهم خمسين فارسا، فضاقت بهم ماوية ذرعاً وقالت لجاريتها: اذهبي إلى ابن عمي مالك، وقولي له: إن أضيافاً لحاتم قد نزلوا بنا وهم خمسون رجلاً، فأرسل إلينا بشيء نقريهم ولبن نسقيهم، وقالت لها انظري إلى جبينه وفمه، فإن شافهك بالمعروف فاقبلي منه، وإن ضرب بلحيته على زوره، ولطم رأسه، فاقبلي ودعيه.
فلما أتته وجدته متوسداً وطباً من لبن، فأيقظته وأبلغته الرسالة وقالت له: إنما هي الليلة حتى يعلم الناس مكان حاتم، فلطم رأسه بيده وضرب بلحيته، وقال: اقرئيها السلام وقولي لها: هذا الذي أمرتك أن تطلقي حاتماً لأجله، وما عندي لبن يكفي أضياف حاتم.
فرجعت الجارية، فأخبرتها بما رأت وبما قال لها، فقالت لها: اذهبي إلى حاتم وقولي له: إن أضيافك قد نزلوا بنا الليلة ولم يعلموا مكانك فأرسل إلينا بناقة نقريهم ولبن نسقيهم، فأتت الجارية حاتماً، فصاحت به، فقال: لبيك قريباً دعوت، فأخبرته بما جاءت بسببه، فقال لها: حباً وكرامة، ثم قام إلى الإبل، فأطلق اثنتين من عقالهما وصاح بهما حتى أتيا الخباء، ثم ضرب عراقيبهما، فطفقت ماوية تصيح: هذا الذي طلقتك بسببه. نترك أولادنا وليس لهم شيء، فقال لها: ويحك يا ماوية الذي خلقهم وخلق الخلق متكفل بأرزاقهم.
وكان إذا اشتد البرد وغلب الشتاء أمر غلمانه بنار فيوقدونها في بقاع الأرض لينظر إليها من ضل عن الطريق ليلاً، فيقصدها، ولم يكن حاتم يمسك شيئاً ما عدا فرسه وسلاحه، فإنه كان لا يجود بهما، ثم جاد بفرسه في سنة مجدبة.
وعن مآثره يحكى أن ملكان ابن أخي ماوية قال: قلت لها يوماً: يا عمة حدثيني ببعض عجائب حاتم وبعض مكارم أخلاقه.
فقالت: يا ابن أخي أعجب ما رأيت منه أصابت الناس سنة أذهبت الخف والظلف، وقد أخذني وإياه الجوع وأسهرنا فأخذت سفانة، وأخذ عدياً، وجعلنا نعللهما حتى ناما، فأقبل علي يحدثني ويعللني بالحديث حتى أنام، فرفقت به لما به من الجوع فأمسكت عن كلامه لينام، فقال لي: أنمت؟ فلم أجبه، فسكت ونظر في فناء الخباء، فإذا شيء قد أقبل فرفع رأسه، فإذا امرأة فقال: ما هذا؟ فقالت: يا أبا عدي أتيتك من عند صبية يتعاوون كالكلاب أو كالذئاب جوعاً، فقال لها: أحضري صبيانك، فوالله لأشبعنهم، فقامت سريعة لأولادها، فرفعت رأسي وقلت له: يا حاتم، بماذا تشبع أطفالها، فوالله ما نام صبيانك من الجوع إلا بالتعليل، فقال: والله لأشبعنك وأشبعن صبيانك وصبيانها، فلما جاءت المرأة نهض قائماً، وأخذ المدية بيده وعمد إلى فرسه، فذبحه ثم أجج ناراً ودفع إليها شفرة، وقال: قطعي واشوي وكلي وأطعمي صبيانك، فأكلت المرأة وأشبعت صبيانها، فأيقظت أولادي وأكلت وأطعمتهم، فقال: والله إن هذا لهو اللؤم تأكلون وأهل الحي حالهم مثل حالكم، ثم أتى الحي بيتاً بيتاً يقول لهم انهضوا بالنار، فاجتمعوا حول الفرس، وتقنع حاتم بكسائه وجلس ناحية، فوالله ما أصبحوا وعلى وجه الأرض منها قليل ولا كثير إلا العظم والحافر، ولا والله ما ذاقها حاتم، وإنه لأشدهم جوعاً.
وأغار قوم على طيىء، فركب حاتم فرسه وأخذ رمحه ونادى في جيشه وأهل عشيرته، ولقي القوم، فهزمهم وتبعهم، فقال له كبيرهم: يا حاتم هب لي رمحك، فرمى به إليه، فقيل لحاتم: عرضت نفسك للهلاك ولو عطف عليك لقتلك. فقال: قد علمت ذلك، ولكن ما جواب من يقول هب لي؟
ولما مات عظم على طيىء موته فادعى أخوه أنه يخلفه، فقالت له أمه: هيهات شتان والله ما بين خلقتيكما، وضعته فبقي والله سبعة أيام لا يرضع حتى ألقمت إحدى ثديي طفلاً من الجيران، وكنت أنت ترضع ثدياً ويدك على الآخر، فأنى لك ذلك!! قال الشاعر:
يعيش الندى ما عاش حاتم طيىء وإن مات قامت للسخاء مآتم
وكانت العرب تسمى الكلب داعي الشمير، ومتمم النعم، ومشيد الذكر لما يجلب من الأضياف بنباحه. وكانوا إذا اشتد البرد وهبت الرياح، ولم تشب النيران فرقوا الكلاب حوالي الحي وربطوها إلى العمد لتستوحش فتنبح، فتهدى الضال وتأتي الأضياف على نباحها.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

6 − أربعة =