“عدنا والعود أحمد” محبرة وقلم

0

مشعل عثمان السعيد

“عدنا والعود أحمد” مثل عربي استخدمه الشعراء في أشعارهم، والمعنى العام لهذا المثل انه اذا ابتدأ انسان بفعل يشكر عليه وعاد إلى هذا الفعل فإن الحمد والشكر والثناء عليه سيكون أكثر، ولا يوجد مثل ليس له قصة، اما أول من قال “العود أحمد” فهو: خداش بن حابس التميمي، وكان قد رأى فتاة من بني ذهل، ثم من بني سدوس يقال لها “الرباب” أوتيتْ شطراً من الجمال فأحبها، وهام بها زمانا، ثم تقدم لخطبتها من أبيها فرده لقلة ذات يده، وكان أبواها يتمنعان لجمالها وميسمها، فأضرب خداش عنها زمانا، ثم اقبل ذات ليلة راكباً ناقته فانتهى إلى محلتهم وأنشأ يقول:
ألا ليت شعري يا رباب متى أرى
لنا منك نجحاً او شفاء فأشتفي
فقد طالما عنيتني ورددتني
وأنت صفيي دون من كنت أصطفي
لحى الله من تسمو إلى المال نفسه
إذا كان ذا فضل به ليس يكتفي
فسمعت الرباب شعـره وحفظـتـه، ثـم ارسلــت إلى الركب الذين فيهم خـداش ان انزلوا بنا الليلــة، فنـزلـوا، ثم بعثت الى خداش تقول: عرفت حاجتك، فاغد على أبي خاطبا، ثم قالت لأمها: يا أمه، هل اتزوج إلا من أهوى؟ وألتحف إلا من ارضى؟ قالت: لا فما ذاك؟ قالت الرباب: زوجيني خداشا، قالت: وما يدعوك إلى ذلك مع قلة ماله؟ قالت: قبح المال إذا كان معه سوء الفعال، فأخبرت الأم أباها بذلك فقال: ألم نكن صرفناه عنا، فما بدا له، فلما كان من الغد، غدا عليهم خداش فسلم وقال: “العود أحمد” والمرء يرشد، والورد يحمد “فأرسلها مثلا” وهناك من يذكر ان العود أحمد انما أخذها الناس من الفارس والشاعر مالك بن نويرة اليربوعي التميمي حينما قال:
“جزينا بني شيبان أمس يقرضهم
وعدنا بمثل البدء “والعود أحمد”
وقال المرقش واسمه ربيعة بن سعد بن مالك البكري ايضا:
“وأحسن سعد بالذي كان بيننا…
فإن عاد بالاحسان فالعود أحمد
وقال همام بن غالب الفرزدق:
من الصم تكفي مرة في لعابه
وما عاد إلا كان في العود أحمد
وقال الأخطل التغلبي غياث بن غوث:
فقلت لساقينا، عليك فعد بنا
إلى مثلها بالأمس فالعود أحمد”
وعموما يقال “العود أحمد” عند تمني المزيد من الخير، يقول الشاعر العباسي عمارة بن عقيل بن بلال بن الشاعر جرير بن عطية:
“بدأتم فأحسنتم فأثنيت جاهدا
فإن عدتم أثنيت والعود أحمد”
وقد مر بنا أكثر من شاعر نابه الذكر، وسأحدثكم عن مالك بن نويرة بن حمزة بن شداد اليربوعي الحنظلي التميمي، احد كبار سادات قومه، ادرك الاسلام وأسلم وولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقات قومه بني يربوع، وبعد وفاة النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، امتنع عن دفع الزكاة فسار اليه خالد بن الوليد، ثم أَسرته احدى سرايا خالد فحبس ومن معه من بني ثعلبة بن يربوع في ليلة شديدة البرودة، فنادى منادي خالد: ” أدفئوا أسراكم” وهي في لغة كنانة: اقتلوهم! فقتل ضرار بن الأزور مالك بن نويرة، وقتل بقية الاسرى فكانوا كقول القائل: “أردت عمراً، وأراد الله خارجة” فسار متمم بن نويرة إلى المدينة المنورة، وصلى الصبح خلف أبي بكر الصديق ثم وقف امام الصديق رضي الله عنه واتكأ على سية قوسه وبكى طويلا حتى سالت عينه العوراء بالدمع وقال:
نعم القتيل إذا الرياح تناوحت… خلف البيوت قتلت يا ابن الأزور
أدعوته بالله ثم غدرته… لو هو دعاك بذمة لم يغدر
وأشار متمم بيده إلى أبي بكر، فقال أبو بكر: والله ما دعوته ولا غدرته! فقال:
“لا يمسك الفحشاء تحت ردائه
حلو شمائله عفيف المئزر
ولنعم حشو الدرع كنت وحاسرا
ولنعم مأوى الطارق المتنور”
فقام إليه عمر بن الخطاب وقد اعجبه شعره فقال له:يا متمم، وددت أني رثيت أخي زيدا بمثل ما رثيت به مالكا اخاك، فقال متمم: يا أبا حفص، والله لو علمت ان اخي صار بحيث صار اخوك، ما رثيته فقال عمر: ما عزاني احد بمثل تعزيتك فدفع له أبو بكر دية مالك من بيت المال، وروى الطبري ان سبب قتل خالد بن الوليد لمالك بن نويرة ان مالكا قال لخالد: ما أخال صاحبكم إلا قال كذا وكذا، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستنكر عليه خالد هذا القول واستفظعه وقال: أوما تعده لك صاحبا؟ فأمر بقتله ومن أفضل المراثي قول متمم بأخيه مالك:
“وكنا ندماني حذيمة حقبة
من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالكا
لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
فإن تكن الأيام فرقن بيننا
فقد بان محمودا أخي حين ودعا
سقى الله أرضا حلها قبر مالك
ذهاب الغوادي المدجنات فأمرعا”
أكتفي بهذا القدر.
جف القلم ونشفت المحبرة، في أمان الله.

كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

خمسة عشر − ثلاثة =