عذراً ياقدسُ يازهرةَ المدائنِ قصص إسلامية

0 16

محمد الفوزان

“لأجلكِ يا مدينةَ الصلاة ، لأجلك يابهيةَ المساكن، يازهرةَ المدائن، ياقدسُ، يا فلسطينُ … تلك البلاد التي سالت من أجلها العيون، ورَخُصت في سبيلها المنون.
المسجد الأقصى أُولَى القبلتين، وثالث المسجدين، ومَسْرَى نبيِّنا محمد الأمين (صلى الله عليه وسلم).
فلسطين من أجلها شدَّ الرجال عزائم الأبطال، وأحيَوْا في نفوسهم الحماسة والنضال، شعب منذ سبعين عامًا يعيش تحت وطأة الاحتلال، مساكنهم الملاجِئ والمخيَّمات، والملايين منهم يعيشون في التشريد والشَّتَات، شعب فلسطين حياته كلُّها اعتقال وتهديد، تهديم للبيوت، وإغلاق للمدارس.
ومع الحصار الاقتصادي المفروض عليهم أُغْلِقت المخازن والمتاجرُ لتسُدَّ عنهم أبواب الرزق ووسائل الحياة، تجويع وبطالة، استخفاف وإهانة، استيلاء على الأراضي، وتحكُّم في مصادر المياه، محتلٌّ يُلاحِق مَن يشاء، ويتَّهم مَن يشاء، يقتل مَن يشاء، وينفي مَن يشاء، ثم يزعم أنه يريد السلام.
لقد انكشفت عورة كثير من دول العالم التي تدّعي الحضارة والتمدّن، وبانت سوءتها عندما ادَّعت حقوق الإنسان، وهي تشهد ما يجري خلف شاشات التلفاز نقل السفارة الأميركية وافتتاحها في القدس الشرقية المحتلة منذ عام 1967، وإضفاء الشرعية وحكم الغاب على الاحتلال، وهي مدينة محتلة.
لقد كان من المتوقَّع أن الشعارات البرَّاقة التي يرفعها العالم المتمدن؛ مثل: حقوق الإنسان، والحرية والشرعية الدولية، والديمقراطية، سيكون جادًّا في ترسيخها، لكن أحداثَ القدسِ الحاليةَ كشفتْ زَيْفَ وعنصرية تلك الشعارات، وعلى رأسها شعار الشرعية الدولية وحقوق الإنسان.
لقد علَّمَنا الغرب أن الديمقراطية هي الرضا باختيار الشعب، لكن هذه الوصفة صُدِّرت لنا بصورة أخرى مغايرة، أما إذا انتخَب الشعبُ الأوفياءَ الأُمَناءَ، فجزاء ذلك التدميرُ والمقاطعةُ السياسيةُ والاقتصاديةُ، والتجويعُ والاضطهادُ، وليتَ الأمرَ توقَّف عند هذا فقط، بل عمد العدوُّ الصهيوني إلى زيادة جراحهم؛ بقَصْفِ أحيائِهم ومخيَّماتهم، ليكافئهم على الاختيار الذي ارتضوه لأنفسهم، وهي رسالةٌ من العالم لكلِّ الشعوب التي تنتخب الأوفياء الأُمَناء؛ فإن مصيرها مصير ذلك الشعب الأعزل.
لا يخفى عليكم ما يمرُّ به إخواننا في فلسطين هذه الأيام، إنهم يعانون من قصف الطائرات، وأزيز المدافع والمجنزرات، عشرات المساجد دُمِّرَت، ومئات البيوت هُدِّمَت، آلاف الأنفس أُزهِقت، كم من نساء أُيِّمت! وكم من أطفال يُتِّمت! وكم من مقابر جماعية أُقِيمت! إخوانكم يصارعون عدوَّهم وبطونهم خاوية، وأسواقهم مُغلَقة، ومنافذهم مُحاصَرة، افتقد أطفالهم الحليب، ونفد عن مرضاهم علاج الطبيب، والعالم ينظر ولا مُجِيب.
ليس من عذرٍ لأحد اليوم يرى القدس تُنتَهك، وأطفالاً يُقتَّلون، ونساء ترمل، وشيوخًا يُعتَقلون، ثم لا ينتصر لإخوانه ولا يحزن لمصابهم.
أين أنتم من بكاء الثَّكالَى وصراخ اليتامى، وأنين الأرامل والأيامى، أين أخوَّة الإسلام، أين رابطة الإيمان، بل أين أخلاق العروبة عمَّا يلاقيه إخواننا في فلسطين، فمَن ينتصر لهم،ومَن يخفِّف مصابهم ؟
إن الذي ينظر إلى قضيتنا في فلسطين بمنظار القرآن لن يُخْدَع “أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ”(البقرة: 100).
وقال تعالى أيضًا:”وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ”(المائدة: 64).
إن مَن يتعامَل مع قضاياه على هدى القرآن فلن يضلَّ أبدًا” وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا” (البقرة: 217).
إن من سنن الله سبحانه، أن العاقبة للمتقين، وأن الأرض يرثها عباد الله الصالحون، ومن سننه أيضًا أنه إذا تخلَّى أهل الإيمان عن إيمانهم، فإنه يستبدل قومًا غيرهم، ويأتي بقومٍ يحبُّهم ويحبُّونه أذلَّة على المؤمنين أعزَّة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لَوْمَة لائِم.
أيها الإخوة المرابِطون في أرض فلسطين المجاهِدة، عذرًا إن وجدتم من كثيرٍ من أبناء أمَّتكم التخاذُل والتثاقُل، لكن ثِقُوا أن قلوبنا معكم، والله ناصركم، والمال نبذله، فاستنهِضوا الهمم، إن أمل الأمة معقودٌ،بفضل الله، عليكم، فاصبروا وصابِرُوا ورابِطُوا؛ فإن مع العسر يسرًا، إن مع اليسر يسرًا، لا تيئسوا من روح الله، فالنصر قادم، بإذن الله تعالى” وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ” (الروم: 47])،”أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ”(البقرة: 214)
ما يجري في القدس وفلسطين المحتلَّة اليوم لهو امتحان شديد لأمَّة الإسلام؛ لأن القدس والمسجد الأقصى والبقاع الطاهرة هناك ليست لأهل فلسطين فقط، ولا للعرب أيضًا، بل هي لكلِّ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فلا يملك أحدٌ كائنًا مَن كان أن يتنازل عن شبرٍ من أرضها؛ فهي أرض المسلمين أجمع، تُفدَى بالأرواح والمُهَج.
النصرُ سيعلو على أيديكم أو أيدي غيركم، والباطلُ سيُزهَق بجهودكم، أو جهود غيركم، ولكن لماذا لا يطلبُ المسلمُ الخيرَ لنفسه؟
لماذا لا يكون لبنةً في طريق النصر، وسهمًا من سهام الحقِّ، وأداة لإزهاق الباطل؟
إن المأساة أليمةٌ، والخطب جسيم، والذي يحدث هو مسؤولية كلِّ مَن رآه أو عَلِم به.
إننا والله مسؤولون عن مناظر القتل، ومشاهِد الفقر والتجويع التي يُمارِسها المحتل الغاصب، وقوى الاستكبار تؤيده وتعينه على إخواننا في فلسطين، إننا والله نخشى أن يصيبنا الله بعقوبة من عنده، إن لم نَقُم بأدنى واجبات النُّصرة، إن إخواننا في القدس وفلسطين يواجهون عدوّهم الغاصب بصدورهم العارية، ويجب على هذه الأمة أن تنصرهم وأن تعينهم، فمن كان قادراً على عونهم بماله وجب عليه ذلك، أو بلسانه و كتابته وجب عليه ذلك، ومن لم يكن قادراً على شيء من ذلك، فإن عونه يكون بالدعاء والشعور بما هم عليه.
أمانينا تسبق تهانينا
وفرحتنا تسبق ليالينا
رمضان يجمعنا
كل عام وأنتم بخير
ومبارك عليكم الشهر

You might also like