عصر سوداني جديد

0 205

أحمد عبد العزيز الجارالله

أخيراً أخرجت الحكمة الوطنية، التي تحلى بها قادة المعارضة والمجلس العسكري الانتقالي، السودان من مأزق الحرب الأهلية الذي كانت تتجه إليه، وجرى توقيع الاتفاق على المرحلة الانتقالية تمهيداً لإعادة بناء الدولة التي هدمتها ديكتاتورية “الإخوان” عبر واجهتهم الرئيس المخلوع عمر حسن البشير جراء ما فعلته طوال 30 عاماً من إضعاف للبلاد، وقمع الكفاءات الوطنية التي أثبتت الأشهر الستة الماضية أنها قادرة على المضي بالبلاد إلى مستقبل اقتصادي وسياسي يليق بالسودان.
لا شك أن الجميع، في العالم العربي وأفريقيا، يدرك أهمية هذه الدولة الكبيرة التي كان من الممكن أن تكون قوة اقتصادية كبيرة إقليمياً لو لم تقع فريسة المغامراwwت الانقلابية طوال 62 عاماً بسبب الصراع على السلطة الذي أدى إلى نشوء حركات انفصالية، في الجنوب ودارفور وغيرها، وعطلت التنمية، كما أثرت على العلاقات مع المحيطين العربي والأفريقي.
كل هذا جعل البلاد في العقود الثلاثة الأخيرة تدخل منطقة الغليان الإرهابي بسبب التخبط السياسي والاحتكار الاقتصادي، بدأ مع إيواء نظام البشير لأسامة بن لادن، وتنظيم القاعدة، وجعل البلاد ممراً للأسلحة المهربة إلى تنظيمات إرهابية تعمل في مصر وليبيا، وغيرها من الدول الأفريقية، أو بعدها حين بدأ داعش يعد العدة لنقل مجموعات كبيرة من مقاتليه إليها، مستفيداً من الفراغ الأمني الذي كان يلوح في الأفق أثناء الثورة الشعبية الأخيرة.
كل هذا انتهى مع خلع البشير، وأثبت السودانيون حرصهم على تجنيب بلدهم مصير ليبيا وسورية والعراق وغيرها من الدول العربية التي عملت تلك الجماعة الإرهابية، والدول الداعمة لها، على دفعها إلى ذلك المصير الأسود، لكن انضباط الجيش وعدم سعيه إلى السلطة، وعقلانية المعارضة أحبطا المخطط.
الثورة الأخيرة كانت خالية من مطامع الأحزاب بالسلطة، ولم تكن غطاء لقوة عسكرية انقلابية تمسك بزمام الحكم، فهي مشابهة تماماً للتجربة المصرية في عام 2013، حين انحاز الجيش إلى الشعب في مواجهة حكم” الإخوان” الإرهابي الاستبدادي.
لا شك أن السودان فضاء استثماري كبير، ففيه من الثروات الطبيعية والزراعية والحيوانية ما يجعله بحق سلة غذاء العالم العربي، ولاعباً إقليمياً مهماً في التنمية والاقتصاد، ولذلك فإنه اليوم وبعد بدء المرحلة الانتقالية، لا بد أن تكون هناك خطة عربية استثمارية متكاملة، لإخراج هذا البلد من مأزقه، وطي صفحة الانقلابات والصراعات التي أثقلت كاهل الشعب والبلاد، وتسببت بزيادة معدلات الفقر.
وهنا لا بد من الإشادة بالوقفة الداعمة للاستقرار التي وقفتها كل من المملكة العربية السعودية والإمارات والكويت، وغيرها من الدول العربية إلى جانب السودان، وحرصها على دعمه مالياً وبالمساعدات للأزمة لتخطي الوضع الصعب الذي تسبب به النظام السابق.
يبقى القول: الثورة الأخيرة أثبتت أن في السودان كفاءات كبيرة واعية ووطنية، حريصة على بلدها، وتستفيد من تجارب الآخرين وتتعلم الدروس والعبر، ولهذا فإن الاتفاق، رغم أنه استهلك بعض الوقت، لكنه سيكون المنعطف الأهم في تاريخ هذا البلد، بل هو فاتحة لعصر سوداني جديد.

You might also like