عطاء حساباً شفافيات

0 85

د. حمود الحطاب

لقرب موسم الحج وأيامه الفضيلة قد نكثر ونزيد الجرعة الحلال من تفسير بعض السور القرآنية التي يكثر الناس قراءتها لقصر الآي فيها، ولحفظ أكثرهم لها من دون معانيها، مع الأسف، كما هي المناهج التي قررها غير المتخصصين في علوم التربية حين تدخلوا سنة 1996، وبعدها عنوة في مناهج التعليم الدينية الحكومية المدرسية؛ فكان فصاما نكدا على المسلمين. فصلوا التفسير عن حفظ القرآن فكانت معاني القرآن، مع الأسف، مبهمة غامضة لدى هذه الأجيال؛ فَصَلوا القرآن عن التربية وعن الفهم في ثنائية جاهلة مجهلة؛ ولا تتم التربية القرآنية للنشء والنفوس بغير الفهم العميق للقرآن ومعايشة معانيه وتطبيقاتها. وقد كتبت عن ذلك في حينه، وبعد ذلك كثيرا مستنكرا جهلهم وتعديهم على القرآن وتربيته. وحسبي الله عليهم ونعم الوكيل. وإليكم تكملة لسورة النبأ العظيم استعين فيها بتفسير فتح القدير؛ فتح الله لكم ولمؤلفه أبواب الجنان: آمين.
قال تعالى:» إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا وكواعب أترابا وكأسا دهاقا لا يسمعون فيها لغوا ولا كِذَّابا جزاء من ربك عطاء حسابا».
قوله: إن للمتقين مفازا هذا شروع في بيان حال المؤمنين، وما أعد الله لهم من الخير بعد بيان حال الكافرين وما أعد الله لهم من الشر . والمفاز مصدر بمعنى الفوز والظفر بالنعمة والمطلوب والنجاة من النار. ومنه قيل للفلاة مفازة تفاؤلا.
ثم فسر سبحانه هذا المفاز فقال: حدائق وأعنابا وانتصابهما على أنهما بدل من مفازا بدل اشتمال، أو بدل كل من كل على طريق المبالغة بجعل نفس هذه الأشياء مفازة، ويجوز أن يكون النصب بإضمار أعني، وإذا كان مفازا بمعنى الفوز، فيقدر مضاف محذوف أي: فوز حدائق، وهي جمع حديقة: وهي البستان المحوط عليه، والأعناب معروفة وهي جمع عنب.
وكواعب أترابا الكواعب جمع كاعبة:
قال الضحاك:»الكواعب العذارى».
قال قيس بن عاصم:» وكم من حصان قد حوينا كريمة وكم كاعب لم تدر ما البؤس معصر».
والأتراب: الأقران في السن، المتقاربون في السن، وهذا ادعى للتوافق والتصاحب في الحياة الزوجية؛ فافهموا اذا أدلي اليكم.
وكأسا دهاقا، أي ممتلئة.
قال الحسن، وقتادة وابن زيد:» أي مترعة مملوءة، يقال أدهقتَ الكأس: أي ملأتها، ومنه قول الشاعر:
ألا اسقني صرفا سقاك الساقي من مائها بكأسك الدهاق».
وقال سعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد: دهاقا متتابعة، يتبع بعضها بعضا. وتأتي بمعنى صافية أيضا
وقال زيد بن أسلم: دهاقا: صافية، ويقال للكأس كأسا إذا كان فيه الشراب».
لا يسمعون فيها لغوا ولا كِذَّابا؛ أي لا يسمعون في الجنة لغوا، وهو الباطل من الكلام، ولا كذابا: أي ولا يكذب بعضهم بعضا. فالكذب آفة السمع وآفة الاجتماع البشري، وهو يجعل الوجوه كالحة سوداء لا نور فيها وإن صلى وصام وحج».
قرأ الجمهور كِذَّابا بالتشديد، وقرأ الكسائي هنا بالتخفيف.
جزاء من ربك، أي جازاهم بما تقدم ذكره جزاء.
قال الزجَّاج:» المعنى جزاهم جزاء، وكذا عطاء، أي وأعطاهم عطاء حسابا، أي عطاء كافيا».
وقال ابن قتيبة:» عطاء كثيرا، يقال أحْسَبْتَ فلانا: أي أكثرت له العطاء، ومنه قول الشاعر:
«ونعطي وليد الحي إن كان جائعا ونحسبه إن كان ليس بجائع».
قال ابن قتيبة:» أي نعطيه حتى يقول حسبي. يعني يعطيهم الله في الجنة حتى يشبعوا أبدا، ولا يعود في أمانيهم شيء الا وينفذه الله لهم»…اللهم هب لنا وللقارئين ما وعدت المتقين وأجعلنا منهم.
حاسبهم الله فأعطاهم بالحسنة عشرا.
حسابا لما عملوه، فإنه وعد للحسنة عشرا، ووعد لقوم سبعمئة ضعف، وقد وعد لقوم جزاء لا نهاية له، ولا مقدار كقوله: «إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب»( الزمر : 10)، وقرأ أبو هاشم» حسابا» بفتح الحاء وتشديد السين: أي كفافا. تقول العرب: حسَّبت الرجل إذا أكرمته، ومنه قول الشاعر :
«إذا أتاه ضيفه يحسبه».
وقرأ ابن عباس»حسانا» بالنون أي هناك قراءة أخرى وهي «عطاء حسانا» اي عطاء حسنا.

كاتب كويتي

You might also like