عقاب الذات …مرضٌ يتلذذ به الفاشلون يبدأ بتأنيب الضمير ويصل للإيذاء النفسي والبدني

0

القاهرة – رحاب أبو القاسم حامد:

لا أحد يحب الفشل ، جملة قد تبدو صائبة ولا خلاف عليها ، لكن الحقيقة غير ذلك ، فهناك من يحبون الفشل ويسعون إليه ، ويصل الأمر بالبعض أن يقف أمام المرآة ليقول : أنا فاشل. وكلما دخل مشروعا وأوشك أن يحقق النجاح فيه يهرب منه ولا يكمله حتى يتمتع بفشله وهكذا، وشيئا فشيئا يصل إلى مرحلة من الاضطراب النفسي التي تقلب حياته رأسا على عقب ،فيصبح غير قادر على الاستمتاع بحياته بصورة طبيعية، ما يؤثر عليه وعلى كل من حوله ، أب ، زوج ، أولاد ، زملاء عمل ، أصدقاء . كما يتولد لديه إحساس بالإحباط طوال الوقت، يصبح مسجونا داخل أفكاره السلبية، لا ينظر للغد، عاطل ليس لديه قدرة او طاقة لأي شخص ، كل حياته معطلة ، لا يركز إلا في العيوب والكوارث.
عن مرض «عقاب الذات» أسبابه، لماذا ينتشر بنسبة أكبر بين الفتيات ، أعراضه، كيفية علاجه، أجرت «السياسة»هذا التحقيق مع عدد من المتخصصين.
تُقول الدكتورة جورجيت سافيدس، أستاذة الطب النفسي: عقاب الذات يعني معاقبة النفس نتيجة الإحساس بالذنب عندما يرتكب المرء خطأ ما، وعادة ما يصيب الشخصيات الضعيفة، السلبية، غير الإيجابية، غير الواثقة من نفسها ، التي تربت على النقد واللوم المستمرين. وقد أكدت الدراسات أن هذا المرض ليس له علاقة بسمات الشخصية، بل نتيجة طريقة تربية و ثقافة مجتمع، و بسبب هذه التربية والتنشئة الاجتماعية الخاطئة يتزايد أعداد المصابين بهذا المرض . ولا يقتصر الأمر فقط على عقاب وجلد الذات ، بل قد يتحول من عقاب نفسي معنوي إلى عقاب جسدي عندما يكون هناك اضطراب شديد في الشخصية، لافتة إلى أن هذا المرض قد يحدث أيضا بسبب عامل وراثي، أو نتيجة التعرض لصدمة ما أثرت على الشخصية وتركت أثرا كبيرا بها، وربما بسبب لخبطة في كيمياء الجسم، لذا فإن من يصل لهذه المرحلة من المرض ، يكون العلاج الأمثل له الاستعانة بمتخصص لمساعدته بطريقة طبية وعلمية صحيحة.

أفكار ومعتقدات

ترى الدكتورة إيمان السيد، معالجة نفسية، أن المصاب بمرض جلد الذات، ينتقد نفسه بنفسه ،يلوم ذاته طوال الوقت، له أنواع عدة ،منها يصل إلى حد إيذاء الشخص لذاته بدنيا و ليس نفسيا فقط ،وهناك عدد من الأسباب وراء الإصابة به ، في مقدمتها ، الأفكار والمعتقدات التي تكونت لدى المريض نتيجة التربية والمحيط الاجتماعي الذي تربى فيه، وفي تلك الحال يجب تعديل أفكاره ومعتقداته حتى يتوقف عن لوم نفسه وجلدها وعقابها، ورغم أنه يصيب الذكر والأنثى ، لكنه يظهر بصورة واضحة عند الفتيات، بسبب طبيعة المجتمع وثقافته ، حيث تكون النظرة للإناث أقل من الرجال.
تتركز أعراض عقاب الذات ، في ايذاء المريض نفسه بالتعليقات السلبية طوال الوقت، كما يستمتع بتوبيخ من حوله لشخصه ، ومن الأعراض أيضا إصابته باضطرابات في نومه ، شراهة في تناوله للطعام، وهنا لابد أن يتم الاعتماد في علاجه بزيادة ثقته بنفسه، تقويم أفكاره ومعتقداته الخاطئة التي اعتاد عليها.

معايير طبيعية

تقول الدكتورة أماني الزعيقي ،استشارية الإرشاد النفسي وتعديل السلوك: عقاب الذات الذي يبدأ بتأنيب الضمير، يحدث من خلال المعايير الطبيعية للمجتمع، مثل الحلال والحرام ،الصح والغلط، والتي ينشأ الإنسان في ظلها ، فإذا ما نفذ عملا ما بطريقة خاطئة ، يكون نتيجة ذلك إحساسه بتأنيب ضمير، باعتبار هذا الفعل ضد المجتمع وضد العادات والتقاليد والعرف والدين، لكن الأمر أحيانا لا يقتصر على تأنيب الضمير ، بل يتحول إلى مرض لدى بعض الأشخاص الذين يختلفون عن غيرهم في معاناتهم من الوسوسة ،التأنيب المستمر للذات، تقدير الذات لديهم منخفض، نتيجة التربية و التنشئة الأسرية الخاطئة التي اعتمدت على وضعهم دوما موضع الانتقاد . مشيرة إلى أن اللوم المستمر من الأهل وتحديدا من الأم، حتى لو توقف بعد ذلك ، يكون الشخص قد اعتاد عليه و تأصل داخله لوم الذات وعقابها، لذلك يجب المبادرة بعلاجه منذ البداية وإلا سوف يزداد لومه لنفسه على أبسط الأفعال والمواقف التي يمر بها، وبالتالي سوف يؤدي عدم العلاج المبكر إلى أن تصبح هذه الشخصية موسوسة ضعيفة الثقة بالنفس إلى حد كبير، مترددة ،مهزوزة، علاقاتها الاجتماعية غير ناجحة حيث ترى نفسها شخصية سيئة غير جديرة باحترام الآخرين أو حتى بتكوين علاقات معهم ، فتزداد انطوائيتها وتتحول مع الوقت إلى شخصية غير سوية .
تتابع : العلاج من خلال توعية الوالدين والأهالي بأسس التربية الصحيحة ،البعد عن عقاب الأولاد بطريقة تأنيب النفس ،وعلى الأم أن تزيد من ثقة طفلها بنفسه، يشاركها القرارات تحت توجيهاتها، تحسس طفلها أن له قيمة في مجتمعه الذي يعيش فيه، مع الوقت يتم التخلص من هذه العقدة شيئا فشيئا.

براثن الشيطان

تشير الدكتورة إيمان البطران، استشاري نفسي، إلى أن هناك فرقا بين نقد الذات ووخز الضمير وبين جلد الذات، فوخز الضمير هو الذي يظهر لنا الحلال والحرام وما هو صحيح وما هو خطأ وهذا مطلوب وأمر سوي، يحمينا من الانزلاق في براثن الشيطان والانحرافات بكل أنواعها، خصوصا أن محاسبة النفس جزء من المنهج الديني ، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم :حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا. ويقول تعالى في كتابه العزيز «فلا أقسم بالنفس اللوامة»بالتالي تعد محاسبة النفس شيئا ايجابيا يحمينا، أما «نقد الذات» فهو يعني معرفة الشخص لعيوبه ،محاوله إصلاحها ،معرفته لمميزاته ،محاولة تنميتها، مراجعة للأخطاء في سلوكيات الفرد حتى يكون أفضل وهو شيء مفيد، اما «جلد الذات» فهو نوع من الاضطراب النفسي ، يتمثل في لوم شديد للذات، عنف موجه لها قد يكون جسدياً بأن يؤذي الشخص نفسه سواء بالامتناع عن الأكل أو الأكل بشراهة ، الإقبال على الإدمان وتناول المخدرات، وفي كل الحالات يشعر دائما بالتقصير غير المبرر وغير الحقيقي نحو أسرته، عمله ، مجتمعه، لا يرى المشكلة بحجمها الطبيعي ، يضخم المشكلة أضعافا وأضعافا. من وجهة نظره يعتبر ما يقوم به من جلد للذات تكفيرا عن خطايا فعلها، مثل هذا الشخص الذي يلوم نفسه كثيرا يكون أكثر قابلية للأمراض الجسدية والنفسية الخطيرة ، إذ يجهد نفسه كثيرا فيكون عرضة للإصابة بها، ويكون سعيدا بذلك لأنه يتلذذ بهذه الأمراض ولا يقاومها .
وأثبتت الدراسات أن هذا المرض يصيب الفتيات بنسبة أكبر في مجتمعاتنا الشرقية، بسبب التنشئة الاجتماعية الخاطئة، وما تفرزه البيئة التي يعشن بها من عادات تضر بهن، نظرا للمجتمع الذكوري الذي يفرض سيطرته ويلقي باللوم الدائم عليهن ، باعتبارهن الطرف الأضعف في البنية والتكوين البيولوجي ، علاوة على ما يتمتعن به من حساسية أعلى من الذكور، بجانب الفترات اللاتي يعشنها من دون الرجال كفترة الحمل التي تكون المرأة فيها عصبية وأكثر استثارة للمواقف ، كل ذلك وفي ظل كثرة الممنوعات والقيود المفروضة عليهن، خصوصا في المناطق الريفية ،يجعلهن الأكثر عرضة للإصابة بالمرض الذي يتطور في حالة عدم علاجه إلى ما يسمى بالاضطرابات السلوكية نتيجة ما تمارسه كل فتاة على نفسها من عقاب الذات ، إذا ما فعلت شيئا يتنافى مع ما تربت عليه أو لا يتفق مع قانون المجتمع الذكوري الذي يحاصرها . هناك من يصل بهم المرض إلى درجة الشعور بالاستمتاع معه ، لذلك نجدهم يلومون أنفسهم طول الوقت بسبب أو من دون سبب، والغريب أن الواحد منهم لا يغفر لنفسه أو يسامحها على أي خطأ ، بل يأتي بأخطاء لم يرتكبها حتى يلوم نفسه عليها، مثل الذي لا يحب أن يكمل أي مشروع أو حلم بدأ فيه حتى يشعر بالمعاناة فيلوم نفسه على ذلك ، وهناك من يصل إلى وظيفة كان يحلم بها ثم يتركها ليلوم نفسه ويستمتع بلومها وجلدها . كذلك الذي يعيش قصة حب توشك على الاكتمال ، لكنه ينهيها حتى يشعر بالعذاب وقسوة الحياة .وهكذا نجد هذا النوع من المرضي بعقاب الذات يحب أن يعيش في معاناة وعذاب طول الوقت، يلقي باللوم على الظروف وعلى الآخرين وعلى نفسه ، بل يتمنى أن تبقى الظروف سيئة حتى يجد معاناة حقيقية يبكي عليها، ويصل به الأمر إلى أن يستفز الآخرين حتى يخطئوا في حقه، من ثم يعاقبونه ويلومونه. مع الأخذ في الحسبان أن الشخص لا يعتبر مريضا إذا حدث جلد ذاته مرة أو مرتين في المواقف التي يمر بها، لكن إذا تكرر الأمر وأصبح عادة واستمر أكثر من ستة أشهر يصبح اضطرابا نفسيا، يجب أن يتم علاجه.

قواعد متينة

يقول الشيخ فتحي السيد : للأبناء حقوق على الوالدين، أهمها حصولهم على تربية صحيحة وسليمة، تعمل على تأهيلهم ليبدأ كل منهم حياته بالصورة الصحيحة، حتى يكون لديه مقدرة على بناء مستقبله على قواعد متينة تجعل منه فرداً ذا فائدة لنفسه أولاً ثم لمجتمعه ووطنه. لافتا إلى أن الطفل يتميز حين ولادته في معظم الحالات بعقلٍ نظيف وخال من التشوهات، لديه قابلية للتعلم واكتساب المهارات اللازمة، بذلك يستطيع الأهل تشكيله منذ صغره كما يريدون، خصوصا أننا نتميز عن باقي المخلوقات الأخرى بالقدرة على التمييز بين ما ينفعنا وما يضرنا .
يتضمن حسن التربية والرعاية لأبنائنا و تحفيز روح التساؤل التحمل والتصبر حتى يخرجوا لنا أبناء صالحين متوازنين، حسبما أرشدنا الله سبحانه وتعالى ، حيث أعطانا مفاتيح الاستقرار النفسي والسكينة، وطالبنا بالتمسك بالأمل دوما ، فقد قال تعالى في كتابه العزيز، «وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ». وأيضا» قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» كل ذلك يؤكد أن هناك أبوابا كثيرة للأمل مهما كبرت خطايانا وذنوبنا، ولا داعي لأن نجلد ذواتنا، فجلدها لا فائدة منه إلا بالإصلاح وتغيير عاداتنا السيئة، بل نكتفي فقط بمحاسبة النفس ونقد الذات بايجابياتها وسلبياتها.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

4 × أربعة =