مقصات الرقباء في الوطن العربي لا تزال تعبث بالمضامين

عقيل هاشم: الكاتب والناقد خطان متوازيان… لا يلتقيان مقصات الرقباء في الوطن العربي لا تزال تعبث بالمضامين

القاهرة – محمود خليل:
نشر الكثير من الدراسات النقدية في مجال السرد، الرواية، القصة، الشعر، الفن التشكيلي، بالعديد من الصحف العربية والعراقية، المواقع الالكترونية، شارك هذا العام في مؤتمر السرد ببغداد ببحث عنوانه «الرواية العراقية الجديدة ما بعد 2003.
حصل على الجائزة الثانية للقصة القصيرة في مسابقة «أور» الابداعية، وأيضا على جوائز متقدمة في القصة القصيرة للمسابقات التربية القطرية، جوائز وشهادات تقديرية في مجال الصحافة والاعلام، درع الابداع للعام 2017 في مجال القصة.
عن مصطلحه «الميتاقص»، حال النقد العربي، تأثير النشر الاليكتروني على الأدب العربي، التقت «السياسة»، عضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، الأديب والناقد، «عقيل هاشم»، في هذا الحوار.

– ماذا تعني بمصطلح «الميتاقص»؟
* أنها النصوص التي تعني بالكتابة الواعية لذاتها، التي تجعل من الكتابة، القص، مواضعات التعبير، موضوعًا لها داخل العمل القصصي، هي كتابة نقدية في سياق قصصي، تجعل النقد والقص في علاقة حوارية، تعكس اشكاليات العلاقة بين الكاتب وعمله، بين الأدب والواقع، تشير إلى خلط الأدوار بين سلطة الكاتب وسلطة الناقد.
– ألا يعني ذلك تداخلا بين دوري الكاتب والناقد؟
* في عصر ما بعد الحداثة، أصبحت الألوان الأدبية متداخلة فيما بينها، أضحت القراءات التأويلية للعمل مشروعًا اجتهاديًا، ألغي قصدية الكاتب، جعل النص في مصاف القداسة، أصبح فعل الكتابة بعيدا عن فعل القراءة، عندما يلجأ الكاتب إلى ظاهرة الميتاقص في أعماله القصصية، فانه يسعى جاهدًا إلى لفت انتباه القارئ إلى كونه كاتبًا، من خلال الحديث عن الكتابة وأدواتها، عن سيرورتها ومضامينها، عن أدباء ونقاد وكتب لها علاقة بها، عن علاقته بالواقع، بأبطال قصصه.
– متي بدأت «الميتاقص» في الظهور؟
* الرواية العربية منذ السبعينيات فصاعدًا أخذت ترصد أشكالا وملامح مختلفة من الظاهرة الميتاقصية، أصبحت في السنوات القليلة الماضية ظاهرة واسعة الانتشار، تستند على خلفية فلسفية أدبية واضحة المعالم.

نرجسية
– ما سبب انتشارها أو اتجاه الرواية والقصة لها؟
* هي انعكاس ذاتي، يطمح لأن يكون سردا نرجسيا يعي نرجسيته، يحاول أن يتيح الفرصة أمام الكاتب لتقمص دور الناقد لنصه، من دون أن يلغي حبكته القصصية ولا منطق التتابع فيها، بل يحاول جاهدًا جعل هذه الحبكة تستمد تيماتها وأحداثها من عوالم الميتاأدب، نري شخصية الكاتب تتوحد مع شخصية الراوي، تشهد ولادة الشخصيات المختلقة، تعترف بورقيتها، بل تخاطب القارئ تصريحا بأنه يقرأ نصا متخيلا، لا يعني بالضرورة أن يكون صورة عن الواقع.
– هل يعني هذا أن الكاتب يبتعد عن الواقع في قصصه؟
* يحاول الكاتب الميتاقصي أن ينزاح بهذه الملامح عن الواقع، لا من أجل الغائه، ولا من أجل قطع الصلة معه، انما من أجل لفت الانتباه إلى اشكاليات هذا الواقع، إلى أزمة الكتابة، ان وجود شخص الناقد جنبا إلى جنب مع شخص الكاتب، داخل نصه القصصي، يصرح بحرص الأخير على مفهوم الالتزام، رغبته ألا يبالغ القارئ في فهم قصديته، بالتالي يسعى دوره النقدي إلى توجيه القارئ عند عملية التأويل، إلى قراءة عينية، هي رسالته التي يتضمنها نتاجه الأدبي.
– ما مهمة الناقد تجاه العمل الأدبي؟
* جمهرة النقاد يرون أن مهمة الناقد هي الكشف عن مضامين النص الأدبي الفكرية والعاطفية، الكيفية التي لجأ اليها الكاتب للتعبير عن تلك المضامين، بعد ذلك عملية التقويم، أي الحكم لصالح العمل الأدبي أو ضده، بينما يرى آخرون ان مهمة النقد تقتصر على الكشف عن مضامين النص الأدبي، أسلوبه، أما الحكم فيترك للقارئ.
– هل ترى ان النقاد على الساحة العربية حاليا مؤهلون لنقد الأعمال الأدبية؟
* يُمكن أن نُميّز بين ثلاثة أنواع من النقد، نقد يُمكن تسميته، «نقد الاخوانيات»، غالباً ما يُمارسه «المبدعون النقاد»، الثاني يُطلق عليه «نقد الأستذة»، يقوم على «تسقيط» أي ابداع، غالباً يُمارس نوعاً من الهيمنة على المُبدع، حتى يحسب له الأخير حساباً، يكون أقرب إلى التهكم والسخرية، هناك من تصدي للمشروع النقدي باسم الحداثة، أنهم «نقاد الصدفة، الهواة، نقاد السوق»، غايتهم ترويج المنجز الهابط، يظهر مع ظهور حركة ناهضة وتنتهي بانتهاء مرحلتها.
– ما تأثير ذلك على القارئ والمتلقي للعمل؟
* هذا الجدل القائم يحدث الفجوة بين النص النقدي والنص الابداعي، هناك نقد آخر أقرب إلى القارئ العادي، غير مُتابع وغير مُبتكر نقدياً، غير ملئ ثقافياً، غير مُتحفز لينهض بنفسه ويتوحد مع النص الابداعي، يستخرج منه القيم الخاصة التي تجعله ابداعاً فيدل عليها.
– ما النقد كما يجب أن يكون؟
* أجمل نقد ذلك الذي يمتلئ بالنص الابداعي، يُشكّل نصه النقدي الموازي الذي لا يقلُّ ابداعاً عن الابداع القائم عليه، أما الاشكالية فتكمن في أنّ الأدباء لن يرضوا عن النقد مهما اجتهد، من البديهي ألا يتوقع الأديب أن كل ما ينشر من دراسات نقدية دليل نجاحه، بل يعتبر جسرا أو واسطة بين الأديب والمتلقي، هذا في رأيه أمر طبيعي، فللأديب دور، للناقد دور، الدوران مُتناقضان ولن يلتقيا.
صفات الناقد
– ما المواصفات والصفات التي يجب أن تتوفر في الناقد الأدبي؟
* هناك أسس علمية مباشرة لفن النقد الأدبي، شروط يجب أن تتوفر في الناقد، تتمثل في سلامة الذوق، دقة الحس، سعة الاطلاع، الانفتاح على الجديد، التجرد، عليه أن يتسلح بمعرفة واسعة بالفن الأدبي الذي ينقده، الاطلاع على فنون وموضوعات أخرى، النقد الأدبي لا تتضح قضاياه ولا تستقيم أحكامه حتى يعتمد على مقاييسه الخاصة ثم يستعين – بالموازنة – بمقاييس الفنون الأخرى.
– هل الخبرة مطلوبة للناقد؟
* نعم، يجب أن يكون الناقد مطلعاً على عصر الأديب، مكانته، سيرته، قادر على النفاذ إلى عقول الأدباء والكتاب ومشاعرهم، يحل محلهم، يأخذ مواقفهم أمام التجارب التي يرسمونها، الفنون التي يعالجونها، ليرى بأعينهم ويسمع بآذانهم لعله يدرك الأشياء كما يرونها.
– أي ينسي نفسه؟
* نعم، يحاول نسيان نفسه ليحيا فترة في ظل شخصية الكاتب، في نفسيته، بيئته، يشاركه عاطفيا، ينسي الناقد ميوله الخاصة وذوقه، ينسي صلاته الأخرى – ان وجدت- بالشعراء أو الكتاب سلبا وايجابا، ينسي ما في نفسه من قيم وأفكار عن هؤلاء الكتاب، لئلا تسبقه، فتؤثر على نقدهم، من الانصاف أيضاً أن ينسي الكاتب أمر التعاطف مع جنسيته، قوميته، غيرها من العوامل والأهواء التي قد تؤثر أو تشوه حقائق النصوص أمامه.
– ما دور النقد الأدبي في المجتمع؟
– النقد الأدبي يمثل أحد مؤشرات تطور الوعي الأدبي واتجاهات البحث الأكاديمي، لاسيما بوجود ارتباط وثيق بين انتاج النصوص الفكرية، السياسية، البحثية، مدى تقدم اتجاهات النقد الأدبي، لأنه من يقيم المضمون، يكشف عن نوع المعاني التي تقدمها تلك النصوص للمجتمع، لهذا يوجد ربط بين النقد وانتاج الأفكار من خلال معاينة تاريخ هذه العلاقة.
– يرى البعض أن النقد الأدبي صار نقد مجاملات أحيانا ونقد شتائم أحيانا أخرى تبعا لعلاقة الناقد بالأديب؟
– النقد يعني اظهار أخطاء الخصم أو صوابه، ثم صار منهجاً، اذن فمهمته فهم الأثر الأدبي، الفلسفي، الفني، الخ، أنه أداة معرفة تحولت إلى أداة فض وفهم، إلى أداة تفكير، هناك من حاول أن يدخل في مشروعه النقدي، ما يسمي بـ «نقد المجاملات أو الاخوانيات»، لغاية في نفس السوق، الكاتب، القارئ، ما أساءَ لمنجزه وللمشهد الابداعي، هذه اشكالية ليست بجديدة على مسيرة الأدب والنقد معا، ربما تكون بسبب عولمة الثقافة، مضاربات السوق، لأن هناك أيادي خفية، فردية أو مؤسساتية، تعمل جاهدة لتسطيح الثقافة، جعلها من من دون روح، غير مؤثرة في المجتمع.
– هل ترى ان النقد يتجه إلى الاختفاء؟
* لا يمكن للنقد أن يختفي، انما وبسبب ظهور النقد الثقافي، العناية بالهامش والمسكوت عنه، بسبب نظريات الاتصال المعاصرة والدراسات الثقافية، الخ، أصبح ممارسة النقد الادبي ينحصر في الجامعة فقط، أما النقد الثقافي وأنواع النقد الأخرى صارت تمارس آلياتها، اطلاق الأحكام النقدية، تتداول خصوصاً في التواصل الاجتماعي بشكل لافت للنظر في ابداء الرأي، تقييم النصوص الفيسبوكية يوميا.
النقد والأنترنت
– اذن تأثر النقد بظهور الأنترنت؟
* نعم، لقد انحسرت حركة النقد الأدبي والفني عالميا، بسبب الانترنت، التي أصبحت ترصد تطور الحركات الفكرية، الأدبية، الفنية، بطرق جديدة، اذا كان النقد الأدبي أو الفني، وصل إلى هذه الحالة الفاقدة للشعور والاحساس بالجمال، كما تصوره آرسطو وغيره من فلاسفة اليونان، فان عناصر الابداع الفني لن تتوقف ما بقيت الحياة، لقد أصبح النقد فيما يبدو وظيفة تعتمد على الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، صارت العملية النقدية مجرد انطباع يتركه النص في نفس القارئ المتلقي، ينتهي بحكم.
– هل تراه حكما صحيحا أو علميا؟
* بالطبع لا، لأن هذا الحكم – النقد -، لابد أن يبني على أسس متعارف عليها، من الذوق، الثقافة المتنوعة، دراية واسعة بأمور السياسة، علم الاجتماع، معرفة بالتاريخ، الجغرافية، الأديان.
– لماذا اتجه البعض إلى النشر الالكتروني؟
* ثمة أزمات لا ينقطع الحديث عنها تعاني منها سوق النشر الورقي في العالم العربي، خصوصًا مع الأزمات الاقتصادية والمتغيرات السياسية في عدد من البلدان، فضلًا عن «مقصات» الرقباء التي لا تزال تعبث بالكثير من المضامين وتتحكم فيها، ثم المصادرة والمنع من النشر، الذي بات ظاهرة تلازم معارض الكتاب في البلدان العربية، التي تواجه الكثير من الأقلام العربية المتصدية للحديث في التابوهات المُحرّمة، الكثير من الأسباب جعلت الكتاب الشباب يتجهون إلى النشر الالكتروني بديلا عن النشر الورقي رغم ما أفرزته ظواهر المنع من انتشار واسع للأعمال الأدبية المصادرة والممنوعة على فضاء الانترنت، الذي يصعب بشكل كبير فرض قيود مماثلة عليه، ما ساهم في الوقت ذاته في تعزيز الدور الذي بدأه الكثير من الكتاب الشباب على مستوى العالم العربي في بدء «ثورة» في النشر الالكتروني، مُعلنين رفضهم لاشتراطات دور النشر المجحفة وتكريسها للأسماء ذاتها على مدار سنوات، وضع الكثير من العراقيل أمام الكثير من الكُتّاب الذين ينشرون عملهم الأول.
– ما خطورة النشر الالكتروني على الأديب العربي؟
* منذ سنوات قليلة بدأت ظاهرة دور النشر الالكترونية في الانتشار وتعزيز مكانتها، لكن بعض دور النشر الالكترونية لا تهتم بوضع معايير للأعمال المنشورة من حيث جودتها من عدمها أو التحقق من سلامة اللغة، يشترك في هذا الأمر البعض من دور النشر الورقية، ان لم يكن معظمها، أيضاً عدم وجود ضمانة لعدم سرقة العمل، اقتباسه، نسبته للغير، سرقة فكرة العمل، لا توجد أية ضمانات قانونية بهذا الصدد، كما لا توجد أي رقابة من أي نوع على النشر الالكتروني، أما فكرة الرقابة على محتوي المصنف الأدبي الالكتروني فشبه منعدمة، هذا أجمل ما في النشر الالكتروني، اذ أنه لا يخضع لأية رقابة من أي نوع، كذلك غياب المصداقية عن النشر الالكتروني، يعد من أكبر المشاكل الموجودة في ذلك النمط من النشر.
– ما جديدك؟
* صدر لي مجموعة قصصية بعنوان «أحلام الستائر المخملية»، كتاب كتاب نقدي بعنوان «الميتاقص في نصوص القاص على السباعي»، تحت الطبع، رواية بعنوان «تل المكاريد».