علا أبو عجيب : أن تعرف أكثر… يعني أن تتألم أكثر لامست في روايتها "المقام الأخير" السوس الذي ينخر جسد العرب

0 308

القاهرة – سماح الجمال:

عندما تكتب المرأة نصًا روائيًا أو قصيدة أو أي عمل إبداعي، فإنها تكتب بمداد قلبها قبل قلمها، فيأتي ما تكتب سلسًا لطيفًا يجمع بين جمال البنية ورشاقة اللفظ ومتانة الفكرة،هذا ما يكتشفه القارئ لأعمالها، حيث تجبره على أن يغوص معها في عالمها الخاص مستمتعا برشاقة وبلاغة قلمها.
حول أحدث رواياتها “المقام الأخير” والذي تسبح من خلال عالمها في أغوار الحياة الزوجية، التقت “السياسة” الروائية السورية علا أبو عجيب في هذا الحوار:

بدأت روايتك بإهداء فلسفي “إلى اليقين الذي أتى بريئاً من ملابسة الظنون”، هل تمثل تلك العبارة روح الرواية وتلخص المضمون للقارئ؟
في الباب الثالث والسبعين من الفتوحات المكية لابن عربي وفي معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ورد التالي:
ملائكة الإله أتت إلينا لتوقفنا على النبأ اليقين
فقالت قول معصوم عليم بريء من ملابسة الظنون
هو ذا النبع الذي استسقيت منه إهدائي، فبحث الإنسان عن اليقين وعن الحقيقة نافس هاجسه بالبحث عن الخلود، أن تعرف أكثر يعني أن تتألم أكثر، وهذا فعلا روح النص التي يلمسها القارئ متجلية بالشخصيات وبالمواقف والأحداث.
كشفتِ النقاب في “المقام الأخير” عما يدور في كواليس الحياة الاجتماعية. فإلى أي مدى تشبه هذه الكواليس الواقع الفعلي؟
تدور رواية “المقام الأخير” التي صدرت عن “دار النخبة” بالقاهرة، حول علاقة ملتبسة بين كاتب وكاتبة يتأرجحان بين الصداقة والحب في محيط يمور بتطورات عدة. ويبرز في العمل دور الأخلاق وتأثره بالمعطيات العامة، ومدى تيه الفرد بكل تصنيفاته ليتواءم مع ما حوله، هذا ظاهر العمل، أما باطنه فهو إرهاصات ما قبل المرحلة التي تمر بها المنطقة العربية وربما الشرق أوسطية الحالية والتي أودت لصراعات تنهش البنية الأساسية لأي مجتمع أو دولة، لامست بعض السوس الذي كان ينخر الجسد، كالمذهبية والطائفية والطبقية والمناطقية والسلطوية والبيئية والثقافات اللا متكاملة، بل متضاربة حتى صراع الماضي مع الحاضر.
لماذا سيطر الحوار على الرواية خصوصا بين “هو وهي”؟
لأنه كما يقال “يعرف الشيء بنقيضه ” خصوصا أن وعي الذكورة للأنوثة يختلف عن وعي الأنوثة للذكورة، فالرجل هنا يفتش عن جزء مشتق منه مفقود، والمرأة التي تميل للتصوف، هنا تحن لوطنها في الرجل.
هل أتى استخدامك لضمير الغائب “هو وهي” عن عمد بهدف إلقاء عبء الفكرة على الآخر كي تكون الأحداث أكثر حرية؟
اللغة أهم أدوات الكاتب الروائي،وهي العجينة الإبداعية التي يشكل من خلالها تحفته أو عمله، ومهما كان بارعاً لا يمكنه إيصال نواياه ومبتغاه ورسالته من خلال العمل حتى تكون لديه ملكة اللغة والأسلوب،ما يميزه عن سواه فيبتكر صبغة أو بصمة يعرف من خلالها. بالتالي يعد التشكيل اللغوي وأسلوب طرح الأفكار والحوارات والأحداث سواء كانت واقعية أو مُرمَّزة،هو جوهر مهم في أي رواية لنتمكن من استثمارها في السياقات التواصلية والمقاصد التداولية. كما لابد أن ترتبط اللغة والأسلوب بمفاهيم التحليل النفسي والوعي واللاوعي وعلاقتها بذات الكاتب، كل ذلك أخضعته لهذه المعايير،وضمير الغائب هنا كان لخدمة فكرة البشرية التي تتشكل من “هو وهي” وهما يدلفان مقامات الحياة وصولا إلى ما بعدها، أيضا أرى أن ضمير المتكلم لا يحمّل الكاتب عبء الأنا لأنها بالنتيجة شخصية روائية مشكلة وليست سيرة ذاتية سيصطبغ بها المؤلف.
هل استلهمت شخصية البطلة من شخصية واقعية؟
الكاتب لا يخرج بالمطلق من محيطه، ولو كانت شخوص أعماله خيالية محضة ستجدينه يحملها معايير واقعية شكلانية أو عقلانية أو حركية أو معلوماتية، لذلك أقر أن البطلة هي أنا وأنت، وهي البطلة ليلى العامرية وبلقيس ورابعة العدوية وزنوبيا وشجرة الدر وأنديرا غاندي، هي المرأة الأنثى بكينونتها الإنسانة بأدائها.
تمتلكين قاموسا لغويا غزيراً ومتنوعاً، فما مدى علاقتك باللغة العربية الفصحى؟
قاموسي اللغوي هو منتج عشقي للقراءة المتنوعة سواء الأدب القديم أو الحديث وحتى المترجم، بالنسبة للغة الفصحى أعتبرها تهب للصورة الروائية قيمتها التعبيرية بشكل أمثل، وفي هذا العمل بالذات كان من الضروري التنويع اللغوي من حيث روح النص وأسلوب التعبير “فهو” يفكر بألفاظ معينة وبأسلوب يختلف عن “هي”، خصوصا أن رواية” المقام الأخير” ليست أحادية الصوت وتمتاز بالأصوات المتعددة والإيقاعات المختلفة والأجناس المتنوعة وتعدد الخطابات التناصية والمستنسخات النصية وتنوع السجلات اللغوية واختلاف المنظورات السردية والتصورات الإيديولوجية حيث تتباين الشخصيات بالمواقف والتطلعات الفكرية والذهنية والعقدية.
إلى أي مدى يمكن للكاتب أن يتعايش مع شخوص روايته؟
في هذه الرواية، كون الكاتبة أنثى لابد أن تتنسم عبقاً أنثوياً بصورة ما، لكن ما قمت به كان جهداً مضافاً، حيث تواصلت مع شخصيات حقيقية ذكورية مماثلة في الواقع، وأجريت معهم حوارات مطولة لأتمكن من استخراج كمائن التفكير الذكوري ليخدم خط الرواية الدرامي والفكري، كما أنني أؤمن بأن الكاتب حقيقة لا ينفصل عن ذاته في علاقته مع الشخوص بنسبة مطلقة، إذ يكون حاضــــراً بنسب متفاوتة مع العالم والشخوص المستحضرة، وقد يكون هناك تجاور وتقــــارب بينه وبين الشخصيات، وقد لا يتدخل الكاتب في العالم المشخــــص ولكنه يصفه بوضوح ويحمله أفكاراً لا تماثل ولا تتطابق مع الفكر الشخصي للكاتب وقد يناقضه.
في هذه الرواية عملت على أن أكون عونا وشاهداً للشخصيات، وحاولت الحفاظ على مسافة بيني وبين الشخصيات سواء البطلة أو غيرها. كما أنني في تنقلي بين الشخصيات اعتمدت على المعرفة النفسية والوقائعية وغيرها، فحينا أقلص المسافة بيني وبين الشخصية، كما في حالة شخصية البطلة، وحينا أبتعد تاركة مدى مفتوحا أمام الشخصيات الأخرى لكي تسبح في مجالها الحيوي الذي يلائمها.

بوح الأنثى
هل يمكن تلخيص روايتك بأنها بوح الأنثى في المجتمع العربي؟
في الرواية أكثر من شخصية أنثوية، وهن يتمايزن بشكل التعبير كما في المجتمع الواقعي تماما و لا يتطابقن إلا بنقاط قليلة،هذه الشخصيات تمثل المرأة العربية على تنوعها هنا وهناك، متعلمة ومثقفة وربة منزل وصبية جميلة وعجوزا، أماً وابنة، زوجة وعانساً، وإن كنت أرى أن الرواية تجاوزت البوح للصراخ أحيانا، وللتحليل أحيانا أخرى، ووضعت الملح على الجرح، وكشفت الستار عن بعض ما تعايشه الإناث،كما تنبه لضرورة الإصلاح لصالح الجميع.
هل تحلمين بتحويل الرواية إلى عمل سينمائي أو درامي؟
حلم أو أمنية لكل كاتب أن يتم توظيف عمله الأدبي في شكل فني يظهره للنور
متى تستطيع المرأة أن تكتب بحرية من دون رقابة؟
حسب رؤيتي الشخصية، ليس هناك من حرية، فالرقابة متعددة وعلى مختلف المستويات بدءا بالسلطات الرقابية الرسمية، مرورا بالرقابة المجتمعية والدينية وانتهاءً برقابة الذات والضمير، إذن أين هي الحرية بالكتابة، سواءً كان الكاتب رجلاً أو امرأة؟ لذلك نسبح في المحيط الحيوي الممكن والذي نتنفس به بطريقة تحفظ سلامتنا.
هل تتفقين مع مصطلح الأدب النسوي؟
المصطلح لا يمكن التعميم بشأنه، فلو كانت المرأة تكتب فقط ما يتعلق بخصوصية النساء لا بأس أن تطلقوا عليه أدباً نسوياً، لكن عندما تعمل على إنجاز أدب متعلق بكل ما يحيط بها وبفكر وعلم وفلسفات وتحليلات شاملة، كيف يمكن أن نحجم أدبها بقالب معين؟ وإن كنت أؤكد على اختلاف سمات الكاتب وتمايزها وجمالياتها، سواء كانت امرأة أو رجلا، صغيراً أو كبيراً، شرقيا أو غربياً، محلياً أو وافداً.
الرواية التي تعتمد على العامية، هل تدوم طويلا في مخيلة القارئ أم تندثر وتبقى الرواية المكتوبة بالفصحى؟
لو كان هدف الكاتب وتوجهه منطقيا، فله ذلك، وربما ينجح في محيطه الضيق، لكن لا أحبذ هذا، فاللغة العربية الفصحى غنية لدرجة تغنينا عن اللجوء للعامية إلا بأضيق نطاق وللضرورات الفنية القصوى. بالتالي لا يعيب العمل الروائي القليل الذي يضطر له الكاتب من العامية، شريطة أن يكون موضحا ويدرك معناه من السياق العام للرواية،بحيث لا يصعب على القارئ غير المحلي معرفة المعنى.
متى ستتربع الرواية على قمة هرم الأجناس الأدبية؟
نحن نعيش زمن المقتطفات الإليكترونية والنصوص الصغيرة المنشورة في مواقع التواصل الاجتماعي، لكن بالنسبة لمحبي القراءة، مازالت الرواية تتسيد وتحافظ على مكانتها وأولويتها، عليها أن تبذل جهدا مضاعفاً لتنافس الأجناس الأدبية التي بدأ زمن السرعة يفرضها، فالقصة القصيرة جدا تنافس،والمقاطع الشعرية القصيرة تنافس، ونص الهايكو منافس أيضاً، لذلك أنصح بورش عمل تضم الروائيين والباحثين النفسيين والاجتماعيين لمناقشة النهوض بالرواية وأساليب تطويرها.

الساحة السورية
كيف تنظرين للساحة الأدبية السورية الآن، وكيف ترين حركة النقد فيها؟
الحياة الثقافية في سورية، تصارع من أجل الحفاظ على جوهرها، ما زالت تملك الكثير من النقاط المضيئة ومكامن إبداع، إلا أن انشغال الجهات المعنية بمستلزمات النهوض بواقع الأمن صاحبه تردي الخدمات المقدمة من قبل المؤسسات الرسمية للثقافة وأهلها، ورغم الواقع الثقافي المرتبك، وازدحام الهموم الثقافية في أذهان جميع المثقفين، إلا أن المرحلة الحالية تبدو أنها تتجه لاستقرار نسبي وبدأت المياه تعود إلى مجاريها، خصوصا أنه لا يمكن إحراز أي نجاح في المجتمع سواء أكان اقتصادياً أو اجتماعياً إلا بوجود تنمية تهتم بالثقافة المدعومة بخطط علمية مدروسة، تعمل على تحرر العقل من البيروقراطية، وزيادة مساهمة التنويريين في المجتمع.
ماذا عن النقد؟
النقد يتطلب معايير، والسؤال الذي يفرض نفسه:هل تتوافر هذه المعايير؟ الأمر لا يتعلق بسورية فقط، فإذا ما كان النقد في الوطن العربي كله يعاني من التراجع فما بالكم والوضع السوري خاص جداً؟ أرى أن وجود ناقد مبدع غاية في الأهمية كوجود كاتب مبدع. لكن في نفس الوقت، هناك ظاهرة تلفت الانتباه، تتمثل في تراجع النقد الأكاديمي المتخصص وطفا بدلا منه على السطح النقد الصحافي، الذي غالبا ما يتسم بالبعد عن اعتماد معايير نقدية متفق عليها ويخضع الأمر للرأي الشخصي. وإن كنت أرى أن كمّ الإنتاج الأدبي أغزر بكثير من قدرة وعدد النقاد الموجودين على الساحة، فلا يمكنهم تناول كل المنتج.
كيف ومتى يستعيد الفكر السوري حيويته؟
الفكر السوري لم يفقد حيويته في الحقيقة، وإن كان الكم تفوق على الكيف بسبب ظروف المرحلة السوداء. لاحظت انتشار نوع من الأعمال وبكثافة أطلقت عليها “أدب الحرب”،ولا ألوم الكتاب الذين أنتجوا بغزارة أعمالا كلها تتمحور حول المرحلة التي مرت بها سورية، لكن ألوم بعض من تناولها بسطحية وكأنه عرض محدود المدة، بجانب هجوم الكثير من الكتاب ليأخذوا حصتهم قبل انتهاء الفرصة.
ما الذي تحتاجه سورية فعليا لتنهض من عثرتها الثقافية؟
عندما تقوم كل الجهات المعنية بدورها مثل وزارة الثقافة ومراكزها الثقافية ومنابرها والإعلام ودوره المهم، دور النشر وآلية تعاملها مع الكاتب وضرورة عدم الانجرار وراء الأهداف الربحية على حساب القيمة الأدبية، تفعيل دور اتحاد الكتاب وحثه لتبني المواهب ذات الاستحقاق وعدم الدفع بهم للخارج. أيضا لا بد من أخذ القارئ بعين الاعتبار وتلبية متطلباته وجذبه وتحريك محيطه الحيوي بكل الإمكانيات كدراسة ثمن الكتاب وتناسبه مع الدخل، كذلك التركيز على مدى وعي القارئ وتهيئته وإنعاش شريحة جديدة من القراء في هذا الجيل، إنه لأمر محبط للمبدعين أن تكون “أغنية ضاربة” تحقق ربحية وانتشارا أكثر من مؤلف استهلك جهدا وله قيمة أدبية أو فنية أو فكرية،الأهم دور الكاتب ومدى مسؤوليته وتفاعله وإمكاناته،ودراسة الظروف التي تحيط به وهل تدعمه ليحقق إنتاجاً مميزا، الوقوف إلى جانب الأسماء الجديدة وعدم الاقتصار على الأسماء اللامعة التي توفر ربحية.
ماذا عن مشاريعك الإبداعية المقبلة؟
بدأت التحضيـــــر لمجموعة قصصية، وأفكر بجمع نصوصي الشعرية بديوان، لا أكشف ســــــرا إن قلت أنني أعمل على رواية جديدة،ولو أن العمل الصحافـــي والإعداد التلفزيوني يلتهم جل وقتي.

You might also like