محبرة وقلم

“على الدنيا السلام” محبرة وقلم

مشعل عثمان السعيد

مشعل عثمان السعيد

“السلام عليكم” تحية الإسلام، والسلام يعني الأمان والسلم والصلح، وكلنا يحب الأمن والسلام، أما أول من قال: “السلام عليكم ورحمة الله” فهو أبونا آدم (عليه السلام)، وديننا الإسلام دين الأمن والسلام، ونحن نستغفر الله تعالى بعد الصلاة فنقول: “اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام”، أما قول الناس “على الدنيا السلام” فالأمر مختلف، لأن الإنسان لا يقول”على الدنيا السلام” إلا إذا رأى مالا يعجبه، ويقولها متضايقاً، مثل رؤيته اختلال الموازين واختلاط الحابل بالنابل ، وتشعب الأمور، وتصديق الكاذب وتكذيب الصادق، وما شابه ذلك، أيها السادة “على الدنيا السلام”جملة مشهورة جعلها الناس مثلا، واستخدمها الشعراء، وثمة علاقة على استحياء بينها وبين المثل العربي:”بلغ السيل الزبى وبلغ الحزام الطبين”، ومن يقول “على الدنيا السلام” يرى في قرارة نفسه أن الدنيا أصبحت بلا طعم ولا لون ولا رائحة.
ربما قال البعض بدلا من “على الدنيا السلام”، ؛سلام على الدنيا” للغرض نفسه كقول الإمام محمد بن إدريس الشافعي:
“سلام على الدنيا إذا لم يكن بها
صديق صدوق صادق الوعد منصفا”.
إذا فالدنيا لم تعد بذات أهمية، بل هي تحصيل حاصل، ولو نظرت حولك لرأيت ما يجعلك تقول”على الدنيا السلام” ألف مرة، خصوصا تغير طباع الناس، فما كنا نستحي منه في الماضي أصبح أمرا عاديا هذه الأيام، لذلك تجد الناس يحنون إلى الماضي، ذلك الزمن الجميل ولسان حال هؤلاء الناس يردد ما قاله أبو العتاهية.:
سَكَنٌ يَبْقَى لَهُ سَكَنُ
ما بهَذا يُؤذِنُ الزّمَنُ!
نَحْنُ في دارٍ يُخَبّرُنَا،
عَنْ بَلاها، ناطِقٌ لَسِنُ
دارُ سُوءٍ لم يَدُمْ فَرَحٌ
لامرئٍ فيهَا ولا حزنُ
في سبيل الله أنفسنا
كلنا بالموت مرتهن
كل نفس عند ميتتها
حظها من مالها الكفن
ما لَهُ مِمّا يُخلّفُهُ،
بعدُ إلا فعلُهُ الحسنُ
عجبا من معشر سلفوا
أي غبن بين غبنوا
وفروا الدنيَا لغيرهِم
وَابْتَنَوْا فيها، وَما سكَنُوا
تَرَكُوها بَعدَما اشتبَكتْ
بَينهم، في حُبّها، الإحَنُ”.

وعندما أضر صالح بن عبدالقدوس، حزن حزنا شديداً، وتألم فلم تعد الدنيا بذات أهمية عنده بعد أن فقد بصره، فصور لنا معاناته تصويراً جميلا حيث قال:
“عزاءك أيها العين السكوب
ودمعك إنها نوب تنوبُ
وكنتِ كريمتي وسراج وجهي
وكانت لي بك الدنيا تطيب
فإن أك قد ثكلتك في حياتي
وفارقني بك الإلف الحبيب
فكل قرينة لا بد يوماً
سيشعب إلفها عنها شعوب
على الدنيا السلام فما لشيخ
ضرير العين في الدنيا نصيب”.
ويقول الشاعر والأديب والوزير ابن زمرك محمد بن يوسف بن عبدالله الصريحي وزير غرناطة:
“سلام على الدنيا جميعاً ومن فيها
غداة نعت شمس الخلافة من فيها
نعت ملك الاملاك والكامل الذي
يكف عوادي الحادثات ويكفيها
عميد بني الأنصار غير مدافع
ومحيي معاليها ومولى مواليها
وبدر دياجيها وشمس نهارها
وبشر محياها ونور مجاليها”.
ومن الأمور التي تجعلنا نقول “على الدنيا السلام” بحسرة وأسى، أن البنك أصبح عند كثير من الناس أهم من المسجد، فعندما يتعرض البنك للسرقة تقف الدنيا على رجل واحدة، وعندما يهدم بيت من بيوت الله يكون الأمر عاديا، ولو فكرنا في هذه الدنيا لأدركنا أنها جسر يعبر عليه المرء نهايته جنة أو نار.
سئل الإمام علي عن الدنيا، فأنشأ يقول:
“النَفسُ تَبكي عَلى الدُنيا وَقَد عَلِمَت
إِنَّ السَلامَةَ فيها تَركُ ما فيها
لا دارَ لِلمَرءِ بَعدَ المَوتِ يَسكُنُها
إِلّا الَّتي كانَ قَبلَ المَوتِ بانيها
فَإِن بَناها بِخَيرٍ طابَ مَسكَنُها
وَإِن بَناها بَشَرٍّ خابَ بانيها”.
خرج الملك النعمان بن المنذر اللخمي، ومعه عدي بن زيد العبادي، فمر في طريقه على المقابر، فوقف يتأملها، فقال له عدي: “أبيت اللعن (تحية الملوك) أتدري ما تقول هذه المقابر”؟قال: “لا ” قال: “فإنها تقول:
” رُبَّ رَكبٍ قَد أَناخوا حَولَن
يَشرَبونَ الخَمرَ بِالماءِ الزُلال
وَالأَباريقُ عَلَيها فدُمٌ
وَجِيادُ الخَيلِ تَجري في الجِلال
عَمِروا الدَهرَ بِعَيشٍ حَسَنٍ
آمني دَهرَهُمُ غَيرَ عِجال
ثم أضحوا عصف الدهر بهم
وكذاك الدهر يودي بالرجال
من رآنا فليحدث نفسه
أنه موف على قرن زوال”.
وروي أنه لما احتضر عبدالملك بن مروان قال لمن عنده:”ارفعوني”، فرفعوه حتى شم الهواء، فقال:” يا دنيا ما أطيبك! إن طويلك لقصير، وإن كثيرك لحقير، وإن كنابك لفي غرور”، وسمع وهو على هذه الحالة صوت غسالا يغسل الثياب، فقال:”ما هذا”؟ قالوا: “غسال”، قال: “ياليتني كنت غسالا أكسب ما أعيش به يوما بيوم ولم أل الخلافة”. وختاما على الدنيا السلام”.
أكتفي بهذا القدر.
جف القلم ونشفت المحبرة، في أمان الله
* كاتب كويتي
Mshal.AlSaed@gmail.com