علِّقوه … ونفذوا رؤية الكويت

غريب أمر نوابنا، فكلما عزمت الحكومة، أي حكومة، على إصلاح الوضع المالي والاقتصادي جوبهت بالتهديدات والاستجوابات، وتشهر بوجهها سيوف التحدي بخفة لا مثيل لها، فيما دستوريا يجب ان تكون السلطتان جناحي الدولة، وكأن المطلوب نيابيا الابقاء على الفلتان المالي والهدر الى الابد، وفي الوقت نفسه تحميل الحكومة المسؤولية.
هذه اللغة السائدة في التخاطب النيابي سببها عدم الخروج من شرنقة اغراء صناديق الاقتراع والرشوة من المال العام لزيادة الاصوات وضمان البقاء في المنصب النيابي، وهو ما لا يتفق مع المنطق الصحيح للممارسة الديمقراطية التي يبدو انها بحاجة الى إعادة تعريف، أو بالاحرى إعادة تأهيل للنواب ليفهموا ان السلطة التنفيذية تدرك اكثر من غيرها حقيقة الوضع المالي واحتياجات الدولة مستقبلا، وان عليهم مساعدتها على حل المشكلات لا زيادتها، خصوصا في ما يتعلق بالخروج من الجمود الاقتصادي الذي تعاني منه الكويت، وعدم تدفق الاستثمارات الخارجية ، فيما لدينا رؤية “الكويت 2035” التي تقوم أساسا على ان تصبح البلاد مركزاً مالياً وتجارياً عالمياً، ولا يدري احد كيف يمكن تحقيق تلك الرؤية في ظل الوضع النيابي الابتزازي السائد.
في كل دول العالم، هناك قوانين موحدة للرواتب لا يمكن مخالفتها بكوادر وبدلات ومكافآت خاصة بقطاع معين، فيما عندنا لكل قطاع بدلاته ورواتبه ما يتسبب بفوضى مالية جعلت الباب الأول من الميزانية يتخطى كل الحدود المعقولة، والسبب في ذلك السعي النيابي الى شراء الأصوات من المال العام.
الأكثر غرابة ان دولة، مثل الكويت، تعاني من أزمة مالية جراء انخفاض اسعار النفط، المصدر الرئيسي للدخل، ولا تزال تدعم المواد الغذائية للمواطنين، وتهدر نحو 400 مليون دينار سنويا على دعم الاعلاف الحيوانية، وهو جزء من ازمة دعم السلع والخدمات التي تكلف الخزينة مليارات الدنانير سنويا.
المؤسف في كل ذلك ان السلطة التنفيذية المفترض ان تحمي مستقبل الدولة المالي والاقتصادي وتعمل على تطويره تخضع عند أول تهديد نيابي، بل تزيد الهدر عبر تلبية طلبات النواب غير القانونية.
هذا الوضع غير الصحي بات يتطلب عملية جراحية، ربما تكون مؤلمة في البداية لكنها ضرورية، وهي الاخذ بتجارب دول حلت مجالسها النيابية أو علقت العمل بها لفترات طويلة حين واجهت هذا النوع من الابتزاز النيابي والفوضى المالية، كي تعيد الاستقرار السياسي الى البلاد.
لا شك ان النواب يأتون ويذهبون، ووحدها الدولة تتحمل المسؤولية امام الاجيال القادمة عن التقصير والاهمال، واذا لم تكن هناك معالجة جذرية لهذه المعضلة، سنبقى ندور في حلقة حل المجلس واجراء انتخابات جديدة كل بضعة اشهر، وحكومة تقدم برنامجها لكنها لا تستطيع تنفيذه جراء خضوعها للتهديدات السياسية، فيما النواب سيزدادون شراسة امام سلطة تنفيذية تخاف من خيالها.

أحمد الجارالله