عماد عبدالحليم… “عابر سبيل” حياته “ضباب” بعد العندليب نجومية ونهاية مأساوية (10 من 13)

0 104

القاهرة – محمد إبراهيم:

من يقترب من حياة مشاهير الفن، يجدها أكثر درامية ومأساوية من الأعمال الفنية التي قدموها وجسدوا شخصياتها رغم وهج الشهرة والحفلات والثراء الذي تمتعوا به لسنوات طويلة.
في هذه الحلقات تقترب “السياسة “، أكثر من حياة مجموعة من أشهر نجوم الفن، ممن بلغوا قمة النجومية والشهرة وحققوا الملايين، عاشوا حياتهم بالطول والعرض، وأنفقوا ببذخ، لكن النهاية التي كتبها القدر كانت أكثر مأساوية مما نشاهده في الأعمال الدرامية.

* تبناه عبدالحليم حافظ ودعمه فنيا فاعتبروه ابنه غير الشرعي
* رقصت نجوى فؤاد في جميع حفلاته فأشاعوا زواجهما لكنها نفت ذلك
* حقنة ملقاة بجوار جثته نسجت قصة إدمانه الهيرويين
* أطلقوا عليه صغيرا “الشيخ عماد” وبعدها أصبح الطفل المعجزة

بينما كانت ساعة جامعة القاهرة بمدينة الجيزة تدق الواحدة بعد منتصف ليلة العشرين من أكتوبر عام 1995 معلنة ميلاد يوم جديد، إذ بها تعلن نهاية قصة لم يكتب لها القدر أن تكتمل، ففي شارع البحر الأعظم أمام بناية برج النيل رقم 83، والسكون يملأ جنبات الشارع، كان هناك شابا في متتصف العقد الثالث من العمر على موعد مع الفراق، إنه الفنان عماد علي سليمان فليفل، أو عماد عبدالحليم الاسم الذي كان يشتهر به فنيا، حيث كان يعبر الشارع وهو شارد الذهن وكأنه أسلم عقله لشيء آخر يناجيه، أو ربما يخاطب الأب الروحي له، العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ قائلا “إنك لم تورثني اسمك فقط، بل أورثتني تلك الحياة المليئة بالمتاعب والآلام”، في تلك اللحظة بدأ يسترجع ذكريات حياته كأنها شريط سينما يمر أمام عينيه ومع كل ذكرى تتساقط ورقة كأنها شجرة تتساقط أوراقها تباعا، واحدة تلو الأخرى حتى سقط ذلك الجسد وأسلم روحه وليس عقله فقط، فسقط جثة في الطريق وبقيت تلك الذكريات فقط شاهدة على حياة “الملاك الحزين”.

لعبة القدر
في المنزل رقم 33 بالدور الأرضي، شارع حافظ قبطان بحي الباب الجديد في الاسكندرية، ولد عماد الدين علي سليمان فليفل في 4 فبراير عام 1960، نشأ في بيت فني، فوالده هو الملحن علي سليمان أشهر ملحني الاسكندرية في ذلك الوقت، لم يكن عماد هو الابن الوحيد، بل كان له 9 أشقاء، أشهرهم الملحن المعروف محمد علي سليمان والد المطربة أنغام، لذلك وجد عماد الغناء يحيطه من كل جانب، وأذناه لا تسمع سوى ألحان وأغاني يرددها والده، ولا يرى بعينيه سوى ملحنين ومطربين في منزله، فتربى ونشأ على حب الموسيقى.
ظهرت موهبة عماد في امتلاكه الصوت الجميل منذ نعومة أظفاره، حيث لاحظ كل من في البيت أنه بمجرد استيقاظه من النوم يهرول إلى الراديو يفتحه موقفا المؤشر على إذاعة القرآن الكريم، ويظل منصتا وهو في غاية الاستمتاع لأصوات المقرئين، ولم يكن يكتفي بمجرد الاستماع بل كان يحفظ الآيات سريعا ويرددها بصوته، فاكتشفوا جمال هذا الصوت الذي جعلهم يطلقون عليه لقب “الشيخ عماد”، وفي المدرسة أيضا اكتشفوا موهبته فضمه أساتذته إلى فرقة الموسيقى والغناء، واستطاع أن يلفت الانتباه عندما كان يغني في حفلات المدرسة، فأطلقوا عليه لقب “الطفل المعجزة”، وبدأ الطلب عليه من متعهدي الحفلات، فأصبح يشارك في الحفلات الآخرى بعيدا عن المدرسة، ووصل أجره إلى 30 قرشا في الحفلة الواحدة آنذاك.
ظل عماد يواصل دراسته بجانب الغناء، حتى لعب القدر لعبته الكبيرة في حياته وحدث ما لم يكن يتوقعه، فذات مرة جاء العندليب عبدالحليم حافظ لإحياء حفل له بالاسكندرية، فالتقاه متعهد الحفلات المعروف عياد الرشيدي وكان بصحبته عماد الذي لم يكن تجاوز وقتها 14 عاما، وقدمه للعندليب مؤكدا له أن هذا الطفل يمتلك صوتا جميلا وعاشق لأغانيه ولا يقوم بإحياء أي حفل دون أن يغني شيئا من أغنياته، فطلب عبدالحليم منه أن يسمعه صوته، فأعجب به، ولم يكتف بمجرد الثناء عليه، لكنه طلب أن يقابل والده، وبالفعل لبى والد عماد دعوة العندليب، الذي أثنى على موهبته ابنه وطالبه بضرورة الاهتمام به ولاقتناعه به سيشركه معه في الحفل الذي جاء لإحيائه، وبالفعل أدى عماد أغنية “يا صلاة الزين وأغنية حب الوطن” ونجحت الحفلة التي لم ينقطع فيها التصفيق للطفل المعجزة، وأمام النجاح الكبير الذي تحقق اقترح العندليب على والده أن يتبناه فنيا ويمنحه اسمه وسيصطحبه معه للحياة في القاهرة ولن يتركه حتى يصبح نجما كبيرا في سماء الطرب.

“ألوان”
رحب الأب بذلك وهو في غاية السعادة، خصوصا أنه أراد لابنه أن يحيا بعيدا عن الفقر الذي نشأ فيه، وانتقل عماد إلى القاهرة ومنذ ذلك الوقت أصبح اسمه عماد عبدالحليم، واستأجر له العندليب شقة في مدينة نصر بالقاهرة أقام فيها مع شقيقه محمد، وخصص له مصروفا شهريا وأشركه بعد ذلك في معظم حفلاته، وبخبرته الكبيرة رأى عبدالحليم ضرورة أن تكون هناك أغاني خاصة لعماد، وآن له أن يكتفي بتقديم أغنيات غيره، أخبر شقيقه بذلك، وما هي إلا شهور حتى كانت له أغنياته الخاصة، حيث لحن له حلمي بكر أغنية “الحب زي المعجزة” كما تغنى من ألحان شقيقه محمد علي سليمان بأغنية “خاف علي”، وقدمهما لأول مرة في حفل العندليب الأسمر بجامعة القاهرة.
عندما وصل عماد إلى فترة البلوغ، نصح الأطباء العندليب بضرورة أن يتوقف عن الغناء حتى تمر هذه المرحلة التي لو واصل فيها غناءه فسوف تؤثر بشكل سلبي عليه، فأقنعه عبدالحليم حافظ أن يترك الغناء قليلا حتى يتخطى تلك المرحلة العمرية، على أن يستثمر تلك الفترة في الدراسة، فأدخله المعهد العالي للموسيقى، حتى يصقل موهبته بالدراسة، وتمر الشهور وعماد يواصل دراسته والعندليب يتابعه حتى تجاوز الفترة التي حددها الأطباء، بعدها وجد أن هناك مرحلة جديدة يجب أن يخوضها عماد، وهي مرحلة أن يكون له ألبوم مثل كبار المطربين، فاتفق مع شركة “صوت الفن”، على تقديم أول ألبوم غنائي لعماد، وبالفعل تعاقدت معه الشركة وقدم ألبوم “ألوان” من أشعار عبدالرحيم حسن وألحان أحمد فؤاد حسن، الذي حقق نجاحا مبهرا جعل الجميع يرون فيه خليفة عبدالحليم.
كان عماد في ذلك الوقت يعيش مشاعر متضاربة بين النجاح والشهرة الكبيرة التي حققها في سن مبكرة وبين الخوف على العندليب الذي كان يرى فيه أبيه الروحي، حيث بدأ المرض ينال منه بشكل كبير، وفي سنة 1977 رحل العندليب تاركا ابنه بالتبني، كان ذلك بمثابة الصدمة الكبيرة في حياة عماد، وقتها شعر باليتم، وبأنه فقد الداعم والمساند له، أيضا القادر على حمايته من استغلال الآخرين، حاول شقيقه أن يعوضه فقدانه العندليب، خصوصا أن اسمه بات معروفا في عالم الملحنين ولديه خبرة بالوسط الفني فقدم له العديد من الألحان، لكنه سرعان ما تزوج وانشغل بحياته، ولم يهمله بل أكثر أوقات عماد كان يعيشها في بيت شقيقه، وهو ما كشفته المطربة أنغام عندما روت في أحد البرامج التلفزيونية بأن عمها عماد تربى علي يد والدتها فعاش معهم، ولأنه كان قريبا منها في السن، أصبح صديقها قبل أن يكون عمها لذلك كانت علاقتها به علاقة خاصة.
بعد شهور من الرحيل بدأ المنتجون ينظرون لعماد على أنه صورة مصغرة من العندليب، فبدأ الجميع يستغل ذلك، حتى أصبح عماد في أيديهم مثل “الملاك الحزين” تتخطفه الطيور من كل جانب، فاستغل منتجو الدراما الشهرة التي حققها في الغناء وتأثر الناس برحيل العندليب وتلهفهم على رؤية من يفكرهم به، فاستعانوا به كممثل في مسلسل “الضباب”، قصة ثروت أباظة وإخراج فايز حجاب، وشاركه البطولة كوكبة من النجوم في ذلك الوقت، مثل كريمة مختار، صلاح منصور، خالد زكي، ليلى حمادة، عبدالمنعم إبراهيم، هناء ثروت، ولاقى المسلسل نجاحا كبيرا عند عرضه، ولاقت أغنية تتر المسلسل “الضباب” نجاحا منقطع النظير، فكانت شوارع القاهرة تكاد تخلو من المارة وقت عرض المسلسل، وواصلوا رحلة الاستغلال عندما اختاروه ليقدم دور عبدالحليم في مسلسل يتناول قصته والذي عرض بعد رحيله بعامين وهو “العندليب الأسمر”، إلا أن المسلسل لم يلق أي نجاح، فكان ذلك بمثابة صدمة كبيرة لعماد، ولم يكد يفق من تلك الصدمة، حتى وقع في غيرها عندما أراد المنتجون أن يستغلوا الصلة بينه والعندليب في إعادة تقديم فيلم “الخطايا”، الذي يعد من أهم أفلام عبدالحليم مع الفنانة نادية لطفي وحقق نجاحا كبيرا، أغرى هؤلاء المنتجين بمحاولة تقديمه مرة أخرى ولكن تحت عنوان “عذاب الحب” واسندوا دور عبدالحليم لابنه عماد بالتبني، فمن غيره يستطيع أن يحل محله، حيث يملك نفس ملامح الوجه الضامر والجسد النحيل، ورغم تخوفه من هذه التجربة ورغبته في أن يخرج من عباءة عبدالحليم لكن البعض أقنعه بأنها فرصة لكي يثبت للجميع بأنه ليس صورة من العندليب، واختبار لقدراته التمثيلية، بأن يتحدى نفسه ويقدم الشخصية بشكل مختلف تجعل الناس تنسى العندليب في هذا الدور وتتذكره هو، لكنه خسر في رهانه، فقد وجد الناس فيه مجرد صورة من عبدالحليم يقلده فيها بشكل يؤكد نجومية عبدالحليم وأن من يقترب من شخصيته هو الخاسر، فلم يكن الفيلم الجديد الذي كتبه محمد عثمان يختلف عن القديم في شيء، فالأب يريد أن يزوج ابنه أحمد من منى ابنة صديقه الثري، رغم أن هناك علاقة حب تجمع بينها وبين شقيقه حسين، ولكن الأب يقف حائلا دون اتمام الزواج، والسبب أن حسين ابنه ما هو إلا طفل لقيط، فكيف يزوجه من ابنة صديقه، الفيلم ميلودراما حزينة، وهكذا عرض الفيلم الجديد ولم ينل أي قسط من النجاح بل كان صورة مشوهة من فيلم “الخطايا”، خصوصا في ظل وجود أبطال الفيلم الجديد الذين لا يمكن مقارنتهم بنجوم الفيلم القديم، حيث جسدت هند رستم دور مديحة يسري وكان عادل أدهم بديلا لعماد حمدي وجسدت نورا دور نادية لطفي، بينما جسد عماد دور عبدالحليم حافظ، فشل الفيلم فشلا ذريعا ولم يلق النجاح المنتظر ولم يتذكر منه الجمهور غير الاغنية البكائية في نهاية الفيلم “حظي معاكي يا دنيا كده” لعماد عبدالحليم.

“حياتي عذاب”
قدم عماد للسينما العديد من الأفلام مثل “حياتي عذاب، كرامتي، الإخوة الغرباء، مذبحة الشرفاء، وعد مكتوب، وانتهى الحب”، كما قام بالمشاركة في عدد من المسرحيات منها “خيل الحكومة، النهاردة آخر جنان، للسيدات فقط”. وفي عالم الغناء واصل رحلته، حيث قدم مجموعة من الاغاني منها “مقسومالي، مين قالك، زي ما أنت عايز، خلينا في اللي جاي، عارفاني، دورت عليكي، مقدرش أتوب، راجع، مانيش خاين، لا، وحياتك يا حبيبي، كده يا دنيا، بعدين وياكي، الرحايا”، إلى جانب العديد من الألبومات مثل “أمرك عجيب، غدار طبع الهوا، راجع، أهواك، اتعشم يا قمر، مسيك بالخير، عابر سبيل، يتيم، خلي شوية عليا، صادني الهوا، ليه حظي كده، طريق الاحباب”.
عاش عماد عبدالحليم محاصرا بالشائعات، بداية من شائعة أنه الابن غير الشرعي للعندليب الأسمر عبدالحليم حافظ، خصوصا أنه يشبهه كثيرا، وقد نفى العندليب تلك الشائعة في أحد الحوارات الصحافية قائلا “ياريت عندي ابن زي عماد”، كما ربطته الشائعات بالراقصة والفنانة نجوى فؤاد، حيث تردد أنها تزوجته وهو ما نفته تماما، بل أقسمت بأن ذلك لم يحدث، وربما راجت هذه الشائعة بسبب ملازمتها له في معظم حفلاته واشتراطها أن تكون موجودة كراقصة فيها، كما نفى عماد ذلك أيضا حين وصلته هذه الشائعة، وحتى عندما حانت لحظة النهاية أصبح موته لغزا محيرا، حيث انطلقت شائعة تفيد بأنه توفي نتيجة تعاطيه جرعة مواد مخدرة “حقنة هيرويين”، حيث تردد أنه عندما عثر عليه ميتا في الشارع وجدوا بجواره حقنة، وهو ما نفته أسرته مؤكدة أنها كان يعاني من مرض بالقلب وأن الوفاة حدثت نتيجة هبوط حاد في القلب، رغم أن أسرته علمت بوفاته من خلال الصحافة والإعلام، وكانت أنغام حسبما أكدت فيما بعد، تقوم بإحياء إحدى حفلاتها الغنائية في تونس.
رحل “الملاك الحزين” عماد عبدالحليم الذي كان صوته مليئا بالشجن، ويغلفه الحزن، رحل تاركا خلفه أسرارا لم تكشف حتى اليوم رغم رحيله منذ ما يقرب من ربع قرن، رحل وقد تنبأ من قبل بحياته التي كانت أشبه بفيلم تراجيدي مليء بالأحزان عندما غنى “ليه حظي معاكي يا دنيا كده”.

You might also like