عندما تتسيد العقول الخرافية! شفافيات

د. حمود الحطاب

بات يقينا أن تعاقب الأزمان، وتوالي الحضارات وحدوث الإنفجارات المعرفية الهائلة في حياة البشرية بات يقينا وأصبح حقا أنه لم يقض على الفكر الخرافي عند ملايين البشر، وحتى من الذين ينعمون بالعيش في أجواء التمدن والحضارة.
ولست أدري لم يستريح الإنسان إلى الحلول الخرافية والخزعبلات ويأنس بها رغم أنها خزعبلات ورغم ما يراه من ايجابيات الفكر العلمي وتأثيرة الحضاري والتنموي في حياة الإنسان.
وهذا ما ترمز اليه رواية “دون كيخوته” التي يظنها السذج من المحللين أنها مجموعة قصص تهريجية مصطنعة الهدف منها اضحاك الناس. لكن الحقيقة بخلاف ذلك تماما كما هي قصص “كليلة ودمنة” أو بعض قصص جحا.
الحقيقة أن قصة “دون كيخوته” التي ذاع صيتها وشهرتها حتى قيل إن أكثر كتاب انتشر في أوروبا كلها كان كتاب “دون كيخوت” الذي لا ينافسه في انتشاره في الغرب غير الأناجيل كما قلت قبل ذلك.
وإذا كانت المسألة كذلك فهي ليست مجرد تسلية، لكن لأن الواقع البشري الضعيف والمغرر به والمتأثر بالخزعبلات واقع أقرب للخبال والجنون. وهذا ما تلمسه البشرية في حياتها، وما يحاكي واقعها. وإلا فهل حكاية قتال دون كيخوته للأغنام كان مجرد حكاية مضحكة. هل يمكن لأحد أن يصدق أنها تكررت مرارا وتكرارا في عالم الحقيقة؟
وسأحكي لكم: وتجيء معركة الأغنام بعد معركة الطواحين فلا يكاد دون كيخوت يبصر غبار قطيع من الأغنام يملأ الجو حتى يخيل إليه أنه زحف جيش جرار فيندفع بجواده الأشبه بالكسيح ليخوض المعركة التي أتاحها له القدر، كما تقول الرواية، ليثبت فيها شجاعته ويخلد فيها اسمه، وتنجلي المعركة عن قتل عدد من الأغنام وسط ذهول الرعاة الذين اشبعوا دون كيخوته وحامل سلاحه بالرجم بالأحجار حتى كسرت بعض أسنان دون كيخوته وله قصة في علاج اسنانه.
لكن هل كان قتال الأغنام هذا ضربا من الخيال، أم أن البشرية في القرن الحادي والعشرين قد قامت بقتال الأغنام حقيقة، وهذا -لعمر الله- ما فعله ما يسمى الجيش الشعبي العراقي الذي يحمل رايات الانتقام الجنوني الخيالي التاريخي حين هجموا على قطيع من الأغنام، وأوسعوها قتلا برشاشات الكلاشنيكوف انتقاما من أهلها الذين يخالفونهم المبدأ الديني. وهذا الذي أقوله شاهده العالم في التلفازات ومسجل بالفيديو. فهل كان قتال الخراف في قصة كيخوته هو لمجرد إضحاك وإيناس القراء بمتابعة تصرفات مخبولة ناتجة عن الوهم في قراءة تاريخ؟
الموضوع كما ترون يا سادة هو الخبال الذي يصيب العقول البشرية في كل الأزمنة، والذي عبرت عنه تلك الرواية التي لم يقرأها العرب وإلى الآن رغم أنهم وما تحويه مجتمعاتهم من بلاوي الجنون الخرافي مقصودون بها أيضا، ومنذ ذلك الوقت.
والعرب لا يقرأون وإذا قرأوا لا يفهمون وإذا فهموا لا يطبقون، وإذا طبقوا يسرقون كما قال عنا وزير دفاع الكيان الصهيوني الأسبق دايان.
إلى اللقاء.
* كاتب كويتي

Leave A Reply

Your email address will not be published.