عندما تصبح العمالة وجهة نظر

مهى عون

ما زالت زيارة البطريرك الماروني لانطاكية وسائر المشرق بشارة الراعي لفلسطين المحتلة تثير جملة من ردود الفعل والسجالات المتفاوتة على مختلف الصعد, الدينية منها والسياسية, بين مناهض لها ومنتقد, وبين مدافع عنها ومؤيد, على خلفية حق البطريرك الطبيعي في زيارة رعيته أينما وجدت من غير الحاجة لطلب الأذونات من أحد.
وكان البطريرك الراعي عبر عن فحوى هذه الزيارة خلال حديثه الطويل للتلفزيون الإيطالي مباشرة على الهواء, وأنها تتمحور حول المطالبة بضرورة إيجاد حل لقضية اللبنانيين في إسرائيل, بوصفها قضية وطنية تحتاج الى مصالحة كبرى, على غرار المصالحة التي أرساها البطريرك السابق نصر الله صفير والنائب وليد جنبلاط في مناطق الجبل إثر المذابح بين المسيحيين والدروز خلال الحرب الأهلية.
ومن جملة الردود المستنكرة لهذه الزيارة, كان تصريح عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب علي المقداد الذي قال إن هذه الزيارة “أثارت غضبه”, مدعياً أن ذهاب البعض إلى فلسطين المحتلة لكي يقنع بعض العملاء الذين انسحبوا مع جيش العدو في مايو عام 2000 بالعودة إلى لبنان هو أمر مشين ومستنكر, مردفاً: “نقول لمن يحضر مشروع قانون أو اقتراح قانون من أجل عودة هؤلاء الذين خانوا الوطن, فرفضهم, بأن المقاومة تصرفت بمناقبية عالية بعد التحرير, فلم تنتقم ولم تحاسب العملاء, بل تركت الأمر للقضاء, ولم تقتص من عائلاتهم, بل على العكس من ذلك, عاملتهم بما يوجبه علينا ديننا وثقافة المقاومة, برحابة صدر وعدم انتقام”, وختم: “لا نريد أن يكون بيننا عملاء إسرائيليون في لبنان, كفانا ما عانيناه منهم إبان الاحتلال”.
كلام الناطق بلسان “حزب الله” علي المقداد هذا, إنما يؤشر إلى مدى استياء الحزب من زيارة الراعي, خصوصاً أن هرمية الحزب وتنظيمه الشديدين لا يسمحان لأي مسؤول بارتجال موقف مماثل بمبادرة فردية, مع العلم أن المبعدين, وبغض النظر عن التسمية التي يمكن إيرادهم تحتها, ليسوا فقط من الطائفة المسيحية, ولكنهم من مختلف الطوائف اللبنانية, وهم توافدوا جميعاً لاستقبال البطريرك الراعي خلال زيارته الأراضي المحتلة.
أما المتوقع, فهو أن تشكل زيارة الراعي لفلسطين المحتلة نقطة تحول في علاقته مرحلياً مع “حزب الله”. وكما يرى الباحث السياسي, الخبير العسكري أمين حطيط, المقرب من “حزب الله”, في تصريح ل¯”الشرق الأوسط”, أن العلاقة بين الحزب والراعي “لن تعود إلى ما كانت عليه قبل مواقفه الأخيرة, وسيشوبها نوع من الجفاف وتخضع لإعادة تقييم من الحزب, وإن كان لا قطيعة نهائية في لبنان”.
في المقابل, اعتبرت أوساط كنسية, أن الاعتراضات على زيارة البطريرك بشارة الراعي, إنما تصب في مصلحة إسرائيل وإن خرجت من أناس يدعون معاداة الكيان العبري, وذلك على خلفية سعيهم الى إبقاء القطيعة قائمة بين المتحدرين من العائلات العربية نفسها, سيما منها اللبنانية, ومن منطق يقضي بأنه كلما اشتد الخلاف بين العرب أنفسهم كلما راهنت إسرائيل على استعمال هذه الخلافات ورقةً في مواقفها الدولية لادعاء الافتقار الى جهة يمكن الرجوع إليها عند العرب في ما خص القضايا العربية العالقة, والفلسطينية منها تحديدا. مع الإشارة إلى أن زيارة البطريرك لاقت ترحيباً من كل الأطراف الفلسطينية, واعتبرتها جسراً للتواصل يمكن البناء عليه في مجال إرساء عملية سلام, وهذا ما أزعج طبعاً الجانب الإسرائيلي الذي يعمل دائماً على قاعدة “فرق تسد”, بالإضافة إلى المستفيدين من احتكار الورقة الفلسطينية والرهان على استمرار المراوحة الأبدية في تردي أوضاع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة الذين أعلنوا غضبهم من هذه الزيارة, لأنها يمكن أن تضع العصي في دواليب مصالحهم الانتهازية ورغبتهم الدائمة في استعمال القضية اليتيمة قميص عثمان في سياق مقاضاتهم على الصعيد الدولي.
أما بشأن موضوع العمالة, فإن المشكلة ذات الصلة بها لم تنتهِ بإبعاد من تم تصنيفهم كعملاء للعدو بعد انسحابه عام 2000 من جنوب لبنان, لكن عنوانها ما زال يستثمر على الصعيد الداخلي في لبنان ويتم إخراجه من الدرج عندما تدعو الحاجة الى الصاق التهم بمناهضي سياسة “حزب الله” في لبنان. وبقي عنوان العمالة جمراً تحت رماد ينكشف عند كل ريح سياسية تفضح وجود ثقافتين في لبنان أو مفهومين للعدو والتعامل معه. وفي سياق التصنيف الذي يحتكره حالياً “حزب الله” بشأن مسألة “العمالة”, نقلت صحيفة “الأخبار” عن مصادر في “حزب الله” عشية عودة البطريرك الماروني من زيارة الأراضي المقدسة, أن “الحزب يجري مشاورات مع حلفائه, سيما المسيحيين, لتحديد نوعية العلاقة الجديدة التي ستربطه بالبطريرك, حيث رجحت بعض المصادر أن يقرر الحزب مقاطعة بكركي احتجاجاً على الزيارة, ناقلة عن مسؤولي الحزب أن عدم مراعاة البطريرك “التوازن اللبناني الدقيق” يحرر الحزب من مراعاته لهذا التوازن, “خصوصاً في ما يتعلق بالوقوف عند خاطر بكركي ومواقفها من الاستحقاق الرئاسي”.
وفي رد استباقي لمواقف الحزب هذه, سأل الراعي -وفق ما نقل عنه- في كلمة ألقاها أمام مجموعة من اللبنانيين الفارين إلى إسرائيل: “هل أولئك الذين اضطروا الى أن يتركوا لبنان سنة 2000 هم جماعة حاربت ضد لبنان? هل أقدموا على محاربة الدولة اللبنانية أو المؤسسات اللبنانية? هل ينبغي أن نسمي هؤلاء عملاء أو خونة?”, غامزاً بطريقة غير مباشرة في قناة العمالة “الإلهية” التي يمارسها “حزب الله” مع المرجع الفارسي علناً, حيث لا يتورع الأمين العام للحزب حسن نصر الله من الإعلان عن انتمائه الصريح إليه وعن علاقته العضوية به. وفي هذا الكلام خير جواب على جملة التساؤلات التي تجول في ذهن الكثيرين, حول حقيقة من تعامل فعلاً مع العدو بسبب الحاجة لذلك, كون أيام الاحتلال الإسرائيلي كانت الدولة اللبنانية شبه متخلية عن شعوبها المقيمة تحت نير الاحتلال, وبين القيمين على الدولة حالياً والممتهنين دور المقاومة لإسرائيل لكنهم في الواقع مرتهنون, ويعلنون على الملأ ارتباطهم الوثيق بالولي الفقيه والحرس الثوري الإيراني.

* كاتبة لبنانية

Print Friendly