عندما يتكلم المواطن محمد السادس

أحمد عبد العزيز الجارالله

مجددا يخاطب الملك محمد السادس السلطة التشريعية المغربية في افتتاح الدورة الثانية كمواطن يعبر عن آلامه وهمومه، ويضع الجميع أمام المسؤوليات الوطنية التي لا تقبل المساومة أو التمييز، ولا سيما حين ينقل إلى المجلس هواجس الشباب الذين يشكلون أكثر من ثلث المجتمع، ولهم دورهم الأساسي في التنمية القائم على أسس صحيحة، وذلك لن يتحقق إلا عبر معالجة اختلالات ظهرت أثناء التطبيق في السنوات الماضية، ولهذا فإننا كعرب نطمئن إلى وجود هذه الشخصية ذات الرؤية المنسجمة مع مواطنيها في سدة الحكم، يوجه من ضمن صلاحياته الدستورية إلى جعل النهضة المغربية عملا يوميا، وليست مرحلة منقطعة تتخلف مع مرور الأيام فتزيد الأعباء على كاهل المواطنين.
عندما استمعت إلى خطاب الملك محمد السادس كنت أرى مواطنا، وليس ملكا، يتحدث عما يجول في خاطره، يسمي الأشياء بأسمائها، ولا يوارب الأبواب في الإضاءة على المشكلات التي يواجهها ابن المدينة أو ذاك المقيم في أقصى الريف المغربي، “لأن النموذج التنموي الحالي أصبح غير قادر على تلبية احتياجات المواطن”، وأن على “الحكومة أن تعالج نقاط الضعف والاختلالات التي ظهرت”، كي “يتحول ذلك تنمية متوازنة ومنصفة تضمن الكرامة للجميع، وتوفر الدخل والعمل للشباب خصوصا”, وهي القاعدة التي أرساها للمرحلة المقبلة تشكل المعيار للحكومة المغربية الحالية في النجاح بمهمتها، لاستكمال متطلبات ورشة العمل الكبرى التي تشهدها المغرب منذ سنوات.
تعودنا مع هذا الملك الشاب أنه لا يترك الأمور للصدف، بل يعمل على سد الثغرات لأن المسؤولية الوطنية الكبرى، يتحملها الجميع، الكبير والصغير بالدرجة نفسها، وكي يبقى المغرب على الطريق التنموي الصحيح، ويشكل انموذجا متطورا للقارة الأفريقية في حركة التنمية لا بد أن يتمتع بمؤسسات ذات أداء سليم وهذا لا يتحقق إلا من خلال قضاء لا يعاني من خلل، وهو ما أكده في خطابه بقوله:”المغاربة يحتاجون إلى قضاء منصف وفعال وإلى إدارة ناجعة تكون في خدمتهم وخدمة الصالح العام وتحفز على الاستثمار وتدفع بالتنمية”.
لا شك أن الركيزة الأساسية لأي استثمار ناجح، هي الأمن والاستقرار، وسرعة الفصل في الدعاوى، وهو ما يسعى اليه كل مواطن مغربي، ومستثمر عربي وأجنبي، ولأن الركون إلى ما تحقق في السابق لا يكفي لتطوير الأداء، فإن الملك محمد السادس وجه البرلمان إلى العمل على تجديد شباب الإدارة، كي تعبر حقيقة عن أحلام وطموحات الشريحة الكبرى من الشعب التي ستتولى نخبتها إدارة البلاد في المستقبل، متوعدا بمحاسبة كل من ثبت تقصيره في مسؤولياته، لأن الوضع أصبح يفرض مزيدا من الصرامة لمنع التلاعب في مصير المواطنين.
في كل مرة يحمل محمد السادس إلى مؤسسات الدولة مفاجأة إيجابية تفرض على الجميع في كل مواقع المسؤولية عدم التقاعس حتى لا تخبو جذوة العمل ويسود الكسل بين المعنيين، ولهذا كان المغرب النموذج العربي الأكثر نجاحا في التصدي لكل المحاولات التي أراد من خلالها المتربصون بالعالم العربي زعزعة استقراره، فالمغرب بموقعه الستراتيجي يمثل بوابة شمال أفريقيا من جهة، ومن جهة أخرى رأس جسر التواصل مع أوروبا، وبالتالي يمثل استقراره ضمانة استقرار لتلك المنطقة من العالم العربي.