غزو الكويت وتدمير العراق… وزمن الأخطاء

داود البصري

في حياة الأمم والشعوب محطات وتجارب صعبة, قد تقرر نتائجها طبيعة التوجه المستقبلي لأجيال كثيرة ولتوجهات وأفكار ورؤى تشكل الحصيلة الحضارية لتلكم الشعوب والأمم, والشرق العربي, وهو يعيش اليوم في عمق أحوال الصراع والاستجابة للتحديات الشرسة المسلطة عليه, عصفت به قبل ربع قرن من الزمان بالتمام والكمال,واحدة من أصعب التجارب والاختبارات التي مثلت حدا ومنعطفا فاصلا بين مرحلتين تاريخيتيين, وكانت سببا في متغيرات إقليمية ودولية كبرى مازالت تطبع ببصماتها حتى اليوم آثارها الشاخصة على شعوب المنطقة.
ففي الثاني من أغسطس العام 1990 كان الزلزال الكبير الذي قوض جهود وعمل نصف قرن من العمل القومي, ومن التضامن العربي ولو بحدوده الدنيا وضمن صيغة الحد الأدنى السائدة في العلاقات العربية – العربية التي غالبا ما تشهد توترات محدودة, ولكنها لا تصل أبدا إلى مستوى الانفجار الكبير الذي حدث في صيف العام 1990 الساخن الذي غير بالكامل من خارطة التحالفات الإقليمية وأسس بالدماء العربية العبيطة لمرحلة كونية جديدة عرفت بالنظام الدولي الجديد الذي كان بداية النهاية الشاملة للمعسكر الإشتراكي وللثنائية القطبية في العلاقات الدولية.
لقد كان ذلك اليوم الملتهب كارثة حقيقية على العالم العربي وبداية نهاية الحلم القومي بالوحدة وبالتقارب والتضامن, وأفرزت أزمة الاجتياح العراقي لدولة الكويت وإلغائها من خارطة الوجود حالة الانقسام العربي المؤلمة وظهور مصطلحات من طراز “دول الضد” عمقت حالة التشرذم وجعلت العالم العربي عاريا في مواجهة العواصف الدولية التي عصفت رياحها بأجزائه, فمنذ ظهور نظام الأمن الجماعي العربي بعد الحرب العالمية الثانية وتأسيس جامعة الدول العربية كمظلة سياسية يجتمع تحت سقفها العالم العربي لم يتجرأ أي نظام عربي على اختراق المحظور, وإلغاء الأشقاء من الوجود, والذين لم يقصروا أبدا في مد يد العون والمساعدة والنصرة وقت الأزمات والنوائب التي عصفت بالعراق وهو يجتاز محطات عصيبة من تاريخه الحافل بالعذاب والدماء والدموع والحروب الداخلية والخارجية.
اجتياح وغزو الكويت بالطريقة الهمجية التي حدثت, وبالكيفية الاعتباطية التي تمت بها كان المسمار الأكبر في نعش الدولة العراقية الحديثة التي تهاوت تحت معاول الفشل والحروب الكارثية والمغامرات الناتجة عن الرعونة والتسرع والاعتماد في اتخاذ القرارات المصيرية على البطانة الفاسدة, ورغم رحيل قادة النظام العراقي السابق وإنكشاف العديد من الملفات إلا أن الغموض مازال يحيط بملفات مفصلية وجوهرية كانت بمثابة الطريق لذلك الغزو الذي كانت من أبرز نتائجه تدمير الدولة العراقية, ودخول العراق وشعبه في غيبوبة حضارية عن العالم امتدت لثلاثة عشر عاما من العزلة والمقاطعة الدولية الشاملة وحرمان الشعب العراقي من الدواء وتحمله لجريرة ممارسات نظام لم يأخذ رأي شعبه في ما فعله ومارسه من ظلم ضد الشعب الكويتي الذي عانى من التشرد وضياع الوطن قبل أن تتصحح مسارات الأمور, ولكن بعد أن جرت دماء ومياه عديدة تحت كل الجسور العراقية التي فتحت بوابة جهنم لتدمير حاضر ومستقبل العراق ووقوع البلد تحت ذل الاحتلال الأميركي مع ما أفرزه من نتائج أهمها تسلق الأحزاب الطائفية الفاشلة لقمة السلطة بعد سرقتها للحظات فاصلة من تاريخ التحول السياسي في العراق بعد أن تراجع الأداء الحضاري وتسيدت الطائفية المريضة الموقف, وتحولت الأحزاب الطائفية التي مارست الإرهاب الدولي كحزب “الدعوة” وجماعة “المجلس الأعلى” لمجاميع حاكمة ولكن برؤى ومناهج فاشلة دمرت العراق وأحالته لهشيم.
لقد كان الغزو العراقي لدولة الكويت خطيئة تاريخية كبرى, وفخا محكما إنساق له النظام العراقي السابق بسذاجة ملفتة للنظر, وبما أسس لمخطط تدمير وإنهاء العراق وإضعاف الشرق العربي, ولاعزاء للشعوب المظلومة وهي تدفع من دمائها ثمن خطايا أنظمتها, لقد مر ربع قرن على تلك المحنة, ومع ذلك لم تقل الكلمة الأخيرة بعد, فزمن الأخطاء في الشرق ما زال يفرز نتائج كارثية تجعل من المستقبل المنشود كارثيا بكل معنى الكلمة.

* كاتب عراقي
dawood.albasri@hotmail.com