غلب على كل طبع أهله حكايات عربية للعبرة والتسلية (9)

0 11

القاهرة – مختار عبد الحميد:

جميع شعوب الارض لهم عادات وتقاليد يتوارثونها جيلا من بعد جيل، تشكل كيان ووجدان الامة وتعتبر كقانون ملزم لكل افرادها، وهكذا نرى ان المجتمع العربي سواء في الجاهلية او بعد الاسلام، دائما كان متمسكا بتقاليده وعاداته التي توارثها، كمحاسن الاخلاق والكرم وغيرها، وحتى يغرس هذه التقاليد ويحافظ عليها كان لابد ان تنتقل من خلال قصص تروى ليس الغرض منها فقط التسلية والترفيه عنا في اوقات الفراغ، انما تقدم لنا نماذج وامثلة تصور هذه العادات وتوضح نبل مقصدها وتدفع الناس الى الاقتداء بهذه الامثلة من الايمان والواجب والحق والتضحية والكرم والشرف والايثار وايضا تقدم الصور السلبية من البخل والطمع وغيرها.. والتي تقدمها من خلال ما ورد من حكايات تزخر بها كتب السيرة وتاريخ الامم مما نقلوه من الاجداد.

وفيما يبدو أن البخل هو داء ينتقل من الأباء إلى الابناء إلا من رحم ربي، فيروي ابراهيم شمس الدين في كتابه قصص العرب، أن بعضهم قال: كنت في سفر فضللت عن الطريق فرأيت بيتا في الفلاة فأتيته فاذا به اعرابية فلما رأتني قالت: من تكون؟ قلت: ضيف، قالت: اهلا ومرحبا بالضيف انزل على الرحب والسعة، قال: فنزلت فقدمت لي طعاما فأكلت وماء فشربت، فبينما أنا على ذلك إذ أقبل صاحب البيت، فقال: من هذا فقالت: ضيف، فقال: لا أهلا ولا مرحبا ما لنا وللضيف.
فلما سمعت كلامه ركبت من ساعتي وسرت فلما كان من الغد رأيت بيتا في الفلاة فقصدته فإذا فيه اعرابية فلما رأتني قالت: من تكون قلت: ضيف، قالت: لا أهلا ولا مرحبا بالضيف ما لنا وللضيف، فبينما هي تكلمني إذ أقبل صاحب البيت فلما رآني قال: من هذا قالت: ضيف، قال: مرحبا وأهلا بالضيف ثم أتى بطعام حسن فأكلت وماء فشربت فتذكرت ما مر بي بالأمس فتبسمت، فقال: مم تبسمك فقصصت عليه ما اتفق لي مع تلك الاعرابية وبعلها وما سمعت منه ومن زوجته، فقال: لا تعجب إن تلك الاعرابية التي رأيتها هي أختي وإن بعلها أخو امرأتي هذه فغلب على كل طبع أهله .
البخيل وولده
رجل بخيل جداً، جاء له ضيف نادى البخيل ولده وقال له يا ولدي: عندنا ضيف عزيز على قلبي رح للسوق واشتر لنا لحماً … أحسن لحم في السوق … (والضيف يسمع ) ذهب الولد للسوق وبعد مدة عاد لكنه لم يشتر شيئاً، فسأله أبوه: أين اللحم؟ قال الولد: ذهبت للجزار وقلت له: أعطني أحسن ما عندك من اللحم.
قال الجزار: عندي لحم كأنه زبدة.
قلت لنفسي: إذا كان كذا فلما لا أشترى الزبدة بدل اللحم.
فذهبت إلى بائع الزبدة وقلت له: أعطني أحسن ما عندك من الزبدة.
قال البائع: أعطيك زبدة كأنها دبس من حلاوتها.
قلت في نفسي: إذا كان الأمر هكذا فمن الأفضل لي أشتري الدبس.
فذهبت لبائع الدبس وقلت له: أعطني أحسن ما عندك من الدبس. فقال الرجل: أعطيك “دبس” كأنه الماء الصافي، فقلت لنفسي: إذا كانت الأمر كذلك فعندنا ماء صاف في البيت ولا احلى منه. لذلك عدت من دون ما أشتري شيئا …
قال له أبوه: ما شاء الله عليك بعدي والله .. انت كريم مثل ابوك .. والضيف يسمع … ووجهه يتقلب من القهر … الاب همس في اذن ولده : بس فاتك شيء … استهلكت نعالك وقطعتها من كثر التنقل من خان إلى آخر، قال الولد: لا تقلق يا أبي.. فقد لبست نعال الضيف.

إمام البخلاء
من كتاب البُخلاء يقص علينا الجاحظ طرائف البخلاء ونوادرهم فيقول : زعموا أنَّ رَجُلاً قد بَلغَ في البُخلِ غايَتَهُ وصار إماماً وأنه كان إذا صارَ في يَدِه الدِّرهَمُ خاطبَهُ وناجاه وفداه واستنبطه. وكان مما يقول له: كَم مِن أرضٍ قد قطعت! وكَم مِن كِيسٍ قد فارقت! وكم مِن خاملٍ رَفَعت! ومِن رَفيعٍ قد أخملت! لكَ عِندي ألا تعرى! – ثُمَّ يُلقيهِ في كيسِه ويقول له: اسكن على اسم الله في مكان لا تُهانُ ولا تُذَل ولا تُزعَجُ منه! وأنّه لَم يُدخِل فيه درهماً قَط فأخرجه، وأنَّ أهلَهُ ألحوا عليه يوما في شهوة (أي طعام اشتهوه) وأكثروا عليه في إنفاق درهم فدافعهم ما أمكن ذلك. ثم حمل درهماً فقط. فبينما هو ذاهب إذ رأى حَواءً (حاوي الأفاعي) قد أرسَلَ على نَفسِهِ أفعىً لِدِرَهمٍ يأخُذه. فقال في نفسه: أُتلِفُ شَيئاً تُبذَلُ فيه النفسُ بأكلَةٍ أو شربة؟! والله ما هذا إلا موعظة لي مِن الله! ورجع إلى أهله ورَدّ الدرهمَ إلى كيسِه – فكان أهلُهُ مِنه في بلاء. وكانوا يتمنون مَوتَهُ والخلاص منه. فلما مات وظنوا أنهم قد استراحوا منه قَدِمَ ابنُه فاستولى على مالِه ودارِه. ثم قال: ما كان إدامُ أبي فإنّ أكثرَ الفسادِ إنّما يكونُ في الإدام. قالوا: كان يأتَدِمُ بِجُبنَةٍ عنده. قال: أرونيها. فإذا فيها حِزٌّ كالجدول مِن أثرِ مَسحِ اللقمة! قال: ما هذه الحفرة؟ قالوا: كان لا يَقطعُ الجبنَ وإنّما كان يَمسحُ على ظهره فيحفر كما ترى! قال: فبهذا أهلكني وبهذا أقعدني هذا المقعد! لو علمت ذلك ما صليت عليه! قالوا: فأنت كيف تريد أن تصنع قال: أضعها من بعيد فأشير إليها باللقمة!

حتى لو خرجت من جلدك
يحكى أن تاجراً من أهل (مرو) كان يحج كل سنة ثم يسعى بتجارته الى العراق، وكان رجل من أهل العراق يكرم التاجر كلَّ الاكرام حتى أن تاجر (مرو) قال مرة للعراقي: ليتني أرد لك الجميل يوماً ..ليتني أجدك في ديارنا حتى أكافئك على كرمك واحسانك … ومرت الأيام والسنون .. وعرضت للعراقي ذات مرة حاجة فسافر الى بلاد (مرو) وعزم أن يزور صاحبه التاجر، فسأل عن داره وقصدها فلما اقترب رآه جالساً بين أصحابه فتوجه اليه وعانقه عناق الصاحب المشتاق لكنه لم يحس بالترحيب ولا حرارة اللقاء عند تاجر (مرو) بل إن التاجر لقيه كأنه لم يعرفه، وظن العراقي أن تاجر (مرو) لم يعرفه في ثياب السفر .. فخلع عمامته ونزع قناعه .. لكن تاجر(مرو) ظل جامداً كأن لم يره من قبل، فخلع العراقي العباءة ربما يعرفه، ولكن تاجر(مرو) أسرع يهمس اليه ويقول: حتى لو خرجت من جلدك فلن أعرفك.

You might also like