فؤاد حجاج: لا قيمة للإبداع خارج خنادق المواجهة والتحدي أول من عبَّر عن البرزخ في تاريخ الدراما المصرية والعربية

0 3

القاهرة – أمل زيادة:

ولد في واقع تماهت فيه الملامح بين الفلاحين والعمال، ينتمي ويدافع عن طبقته، منحاز لنصرتها مع المهمشين في وطنه الذي انجرفت سفينته لشاطئ الأثرياء والانتهازيين.
عن أشعاره وآخر دواوينه، التقت «السياسة»، الشاعر فؤاد حجاج، صاحب أشهر تتر مسلسل درامي « حديث الصباح والمساء»، عن قصة نجيب محفوظ، في هذا الحوار.
هل كان لهزيمة 67 أثر في مشوارك الشعري؟
كانت بمثابة الصدمة الكبرى لي ولجيلي، لطمة شديدة القسوة على وجه الحلم الذي أخذ هذا الجيل إلى آفاق بعيدة في وطن حر لا يكذب ولا يفبرك الانجازات التي تعود بالخير على الوطن وابنائه، كان كل شيء قد تحقق أمام أعيننا، السد العالي، بناء المصانع والمساكن التي يتم تمليكها للشعب، وطن اقترب من تحقيق العدل والمساواة بانصاف من يعمل، اعلاء قيمة العمل، اتاحة الفرصة لمن يستحقها، كانت الطامة الكبرى هي تجميل وجه الهزيمة النكراء بصوت المذيع وهو يعلن عن سقوط طائرات العدو وكأنها الذباب، في هذا المناخ وهذه الأجواء تولد بداخلي الشعر كشكل من أشكال المقاومة، لم تكن القصيدة الأولى لابنة الجيران ولكن كانت عن أحد الشهداء.
كيف كانت ردود أفعالكم؟
رفضنا الهزيمة رفضاً قاطعاً، خرج عبد الناصر ليحاكمه الشعب بعد التنحي فتمسكنا بوجوده لاستكمال المسيرة، كنا في ظهره في حرب الاستنزاف العظيمة.
ماذا تضع نصب عينيك عندما تكتب؟
هل هناك أبلغ أو أعمق من « ن والقلم.. وما يسطرون «، انه كلام الخالق الذي سكن ضميرى وأوجد لي الهدف والغاية، الكتابة عندي مغامرة فنية وجمالية، أشعر بكامل حريتي عندما أكتب، قبل أن أكتب الدراما الاذاعية، المسرح، الشعر، للطفل، كنت حريصاً على دراسة هذا الجنس الأدبي الذي سأغامر فيه بقلمي، كي أكتب عن فهم وادراك، انجزت، اجيزت أعمالي، قدمتها عبر الميكرفون، الشاشة الصغيرة، المسرح في كل الهيئات المعنية، خلف كل جنس أدبي، تعاملت معه، لابد من هدف حتماً وليس عشقاً للكتابة فقط.
تعددت سفرياتك، فهل هناك بلد كان لها تأثير على كتاباتك؟
سافرت إلى النمسا، هولندا، المانيا الغربية قبل الضم، ليبيا، العراق، في زمن زهوتهما، كانت كل هذه السفريات ضمن وفود رسميه أدبية أو عمالية، بهرتني الحياة والطبيعة، الأهم قيمة الانسان وعلو شأنه في المانيا، كان التأثير الأعظم والأبقي على كتاباتي هو وطني الذي يحمل في طيات تاريخه كل ما يجعلني أفخر به وأشدو له، أن أردت أن أشدو، رغم قسوته على من هم مثلي، ممن يسعون للمصلحة العامة وليس المصلحة الخاصة والشخصية.
كيف كانت رئاستك للصفحة الأدبية «بجريدة العمال « الأسبوعية؟
كانت الرسائل التي تأتيني بابداع الشباب في الشعر، فصحي وعامية، القصة القصيرة، المقال، الدراسة الأدبية، من أكثر الرسائل التي تصل للجريدة، أجدني منتشياً أن أرى من المبدعين والموهوبين من كل أقاليم مصر أمامي عبر رسائلهم، كان الشعور المسيطر هو الذي ينبع من قرار القاضي الذي يختار الأفضل والأجود، الذي ينبئ عن موهبة حقيقية وهي تحبو بخطواتها الأولى.
كيف كنت تتعامل مع القصائد غير المكتملة؟
كم من قصائد كانت ترد إلى وبها بعض العيوب الفنية، أبداً بتقويمها ونشرها ليرى الشاب الشاعر ما وقع منه، أجده فيما يرسله بعد ذلك وقد صار أفضل، كل ذلك بروح الأب الذي يحنو على ابنائه، ينحاز دوماً للحق، فلا وساطة في النشر من الأساس، ظللت على هذا النهج أكثر من ربع قرن متصلة قدمت فيها أجيالا من المبدعين، لمع بعضهم في الساحة الأدبية، منهم من كان يدرس الاعلام وقد أصبحوا رؤساء تحرير لبعض المجلات والجرائد.
كيف تولدت لديك فكرة قصيدة» حديث الصباح والمساء «؟
في ديواني الأول الصادر العام 1971 « وادي الخوف « يولد ابن الشهيد في نفس وقت علم أسرته باستشهاده، من هذا الزخم المتراكم تولدت أشعار « حديث الصباح والمساء «، لحنها عمار الشريعي، غنتها أنغام، أخرجها أحمد صقر، الفرصة كانت أمامي سانحة لأنني أقرأ الحلقة فور كتابتها لارتباطي بصداقة عميقة مع الراحل محسن زايد، كنت أعيشها بكل مشاعري، وجدتني دون تكلف أو تكليف أكتب الكلمات كأنها هي التي تكتبني.
ما الفكرة الرئيسة لتلك القصيدة؟
الفكرة المركزية لنجيب محفوظ وبصياغة محسن زايد، تدور حول الميلاد والموت، البداية والنهاية، للمرة الأولى في أي عمل درامي يتطرق الكاتب للبرزخ، كان هو « الآفان تتر «، الذي يسبق التتر الغنائي، هذه الفكرة ذاتها كانت تناوشني منذ بداية رحلتي مع الكتابة لتعمقي في ذلك البعد « الميتافيزيقي «، عشقي للحلاج وابن عربي وغيرهما.
كيف تأثرت بها؟
جعلت مهمة كتابة الاشعار بالنسبة لي مهمة ممتعة، ما أجمل الشعر الذي يكتبني، يحرك في النفس الكثير من الأسئلة التي تأخذنا أخذاً لمساحة أرحب من التأمل، نهر البشرية لا يتوقف عن السريان، أجيال تذهب وأجيال تجئ، تتغير ملامح الزمن في أعيننا لكن السمات البشرية والجوارح الانسانية لا تختلف في جوهرها، تشبيهه بالورقة التي تطير من الشجرة ذابلة لتسكن التراب فينبت منها زرع جديد « بعضكم من بعض «، فكرة قديمة قدم الانسان على كوكب الأرض.
ماذا كتبت عنها؟
لسيطرة الفكرة في وجداني، كتبت في رباعية قديمة:
من يوم ما شفت « اليرقة» تتحول فراشة
والحيرة لابده في البدن ومجرجراني
لسؤال يأخدني يردني ويا اندهاشه
هل روحي بعد الموت بتاخد شكل تاني؟
لماذا كتبت «يوميات عبد العال»؟
« يوميات عبد العال «، حكاية شعرية صدرت طبعتها الأولى العام 1986، صدرت الطبعة الثانية 2010، سميت بعد ذلك « غربة وطن «، صدرت عام2017، ليضاف الفقد بعد الاغتراب، حيث ينزح عبد العال من قريته « العدلية «، إلى العاصمة بحثاً عن لقمة العيش الشريفة فتضيق عليه المدينة ليرحل في غربة واسعة في بلاد النفط، بينما يكون ابنه الوحيد حسان رمز الأمل قد أصبح شاباً، في رحلة عودتهما إلى أرض الوطن، بعدما انصلح الحال، يغرق حسان ضمن 1400 غريق مصري في عبارة السلام، يتيقن عبد العال ان غربته شملت وطنه ذاته.
كيف ترى الغربة في عيون المصريين؟
الغربة في حياة المصري لها تشعبات وتفريعات كثيرة، منها أن الكثير ممن اغتربوا عادوا لوطنهم بعادات، عقائد، ملابس، أسماء غربتهم، التي سترت احتياجاتهم في حياة كريمة لا يهددها العوز والحاجة.
ما أهمية هذا الديوان؟
هو ر أول من دق ناقوس الخطر للتحذير من الفكر المتطرف، كما قال أبو ذر الغفاري «الفقر في الوطن غربة»، فما بالنا بوطن هو نفسه قد تغرب عن قيمه وحضارته وسماحته، انها أقسي حالات الغربة.
كيف حاكمت شخصيات نجيب محفوظ؟
في فترة معينة من حياتي عملت أميناً لمكتبة عامة، في هذه الفترة الخصبة قرأت 36 مسرحية لوليام شكسبير وديستوفسكي المحلل للنفس البشرية باقتدار، قرأت ليوسف ادريس وسابقيه ولاحقيه، عشقت نجيب محفوظ وأصبحت من دراويشه، عندما فاز بجائزة نوبل العالمية العام 1988 شعرت أن الأدب العربي فاز بجائزة نوبل والرمز المجسد هو «نجيب محفوظ «، وجدت أغلب شخصياته الروائية كأنها تعيش بيننا ثم تولدت فكرة تقديم هذه الشخصيات بمحاكمة مبدعها في جلسة علنية فكانت أول مسرحية بالعامية المصرية وعرضت 55 عرضاً في أماكن مختلفة بفرق هواة ومحترفين وقد لاقت نجاحاً كبيراً.
لماذا اخترت بيتهوفن لتقديم دراسات عنه من خلال معزوفة التحدي؟
« بتهوفن.. معزوفة التحدي «، دراسة أدبية في عبقرية الشخصية، صدرت ضمن سلسلة موجهه لسن الطلائع، كلفني بها الشاعر أحمد سويلم حينما كان رئيساً لهذه السلسلة، أخذتني الشخصية ذاتها ليس لأنه أحد أهم العباقرة الموسيقية فحسب، لكن الدراما في تركيبة الشخصية ذاتها « أصم ويمتع السامعين «، خرج من واقع فقير إلى رحابة الحياة باتساعها ليس في وطنه فقط لكن في العالم، من هنا وجدت الحماسة متدفقة عبر سطور هذه الدراسة العزيزة ايضاً.
هل تراجع الشعر أمام الرواية؟
هذا زعم روج له البعض، أرى أن فيه الكثير من مجافاة الحقيقة، لأن الالتحام بالجماهير ميسور للشعر أكثر من الرواية رغم عشقي لفن الرواية قد يكون هناك طفرة جديدة لشباب جدد في السرد الروائي، خلق حالة من الاهتمام والنظرة الجديدة للفن الروائي.
ما دور وزارة الثقافة في دعم الأقلام الشابة؟
وزارة الثقافة وأي وزارة أخرى في المنظومة المجتمعية تعمل باجتهاد القائمين عليها وأطقم العمل فيها، كأننا نعيش في جزر منعزلة، لأنه لا يوجد اتجاه ثقافي وسياسي محدد يطبق وفقاً لخطه محددة وواضحة لعمل انجاز حقيقي يدعم الجميع وينشر الابداع، دعم الاقلام الجديدة يتولد من ذواتها في تحقيق هذه الذات، طوابير النشر الحكومي كثيرة العدد، هذا غير خاف على أحد، من خلال هذا الزحام والازدحام يخرج الموهوب الحقيقي بصبر وأناة.
هل اختلف الواقع الثقافي حاليا عم قبل؟
في الستينات كان يوجد دور تنموي نهضوي للتقدم بوطن تم احتلاله لأكثر من ثمانين عاماً، كان عبد الناصر أنشأ الثقافة الجماهيرية التي اكتشفت وقدمت للحياة الثقافية الكثير من الأقلام الجديدة والجادة.
ما دور صاحب القلم الآن؟
أصبح لزاماً على الجميع الوقوف في خندق المواجهة، المقاومة، التحدي، هذه مهمة أساسية للابداع، الفن، الثقافة في مرحلة من أخطر المراحل التي مرت على الوطن العربي بأكمله ولا مهادنه في هذا.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.