محبرة وقلم

“فإذا القرابة لا تقرّب قاطعا وإذا المودة أقرب الأسباب” محبرة وقلم

مشعل عثمان السعيد

مشعل عثمان السعيد

ليس بالضرورة أن يكون قريبك مصافيا لك، فما أكثر الأخوة المتخاصمين، وأبناء العم المتباعدين أنظر ما يقوله الصحابي الزبرقان بن بدر التميمي لابن عمه علقمة بن هوذه:
“لي ابن عم، لا يزال
يعيبني ويعين عائب!
وأعينه في النائبات
ولا يعين على النوائب
تسري عقاربه إليَّ
ولا تدب له عقارب
لاه ابن عمك لا يخاف
المحزنات من العواقب”.
وقال ذو الأصبع العدواني في السياق نفسه:
“لي ابن عم على ماكان من خلق
مختلفان فاقليه ويقليني
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب
عني ولا أنت دياني فتخزوني
ولا تقوت عيالي يوم مسبغة
ولا بنفسك في العزّاء تكفيني
فإن ترد عرض الدنيا بمنقصتي
فإن ذلك مما ليس يشجيني
لولا أواصر قربى لست تحفظها
ورهبة الله في من لا يعاديني
إذا بريتك بريا لا انجبار له
إني رأيتك لا تنفك تبريني”.
وهذه الأبيات لا تجعلنا نعتبر هذا الأمر قاعدة، فهذا الدارمي التميمي ربيعة بن عامر يقول:
“أخاك أخاك، إن من لا أخا له
كساع إلى الهيجاء بغير سلاح
وإن ابن عم المرء فاعلم جناحه
وهل ينهض البازي بغير جناح”.
ومع ذلك فرب أخ لك لم تلده أمك، يقول حبر الأمة عبدالله بن عباس (رضي الله عنهما): “القرابة تقطع، والمعروف يكفر، وما رأيت كتقارب القلوب” ، وقال حكيم العرب أكثم بن صيفي التميمي: “القرابة تحتاج إلى مودة، والمودة لا تحتاج إلى قرابة”. وسئل بزرجمهر حكيم الفرس: “من أحب إليك، أخوك أم صديقك”؟ قال: “ما أحب أخي إلا إذا كان لي صديقا”،
واقرب مثال في هذا الجانب نستطيع ان نستشهد به سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) وهو الأسوة فقد كان أبو بكر (رضي الله عنه) أقرب الناس إليه، صدقه بما جاء وواساه بنفسه وماله، حتى قال فيه :”إن من أمنّ الناس علي َّ في صحبته وماله، أبا بكر ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لا تخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر”(صحيح البخاري)، ونجد في الجانب الاخر عمه وصنو أبيه أبي لهب (عبدالعزي بن عبدالمطلب يكذبه ويؤذيه، ويكيد له المكائد حتى أخزاه الله ومات ميتة سوء، فهل نفعت القرابة هنا؟ بالطبع لا.
ومن صور الوفاء للأصحاب أنه عندما أحس عبدالرحمن بن عوف الزهري بدنو أجله أوصى بماله وصايا كثيرة منها أن يعطي كل من بقي ممن شهدوا بدراً اربعمئة دينار، وهم أصحابه الذين قاتل وإياهم من أجل رفع راية الإسلام، فأخذها من بقي من أهل بدر ومن بينهم عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وزيد بن عمر وغيرهم.
وكان معاوية بن أبي سفيان صديقا لعبدالله بن جعفر بن أبي طالب، فلما حضرته الوفاة أوصى ابنه يزيدا به، وقال له: “إن لي خليلا من أهل المدينة فأكرمه”، فقال يزيد : “ومن هو” ؟ قال: “عبدالله بن جعفر”. فلما توفي معاوية زار عبدالله بن جعفر يزيد بن معاوية في دمشق، فسأله يزيد: “كم كانت جائزة أبي لك كل عام يا أبا جعفر”؟ قال: “ألف ألف درهم”. قال: “قد ضاعفناها لمحبة أمير المؤمنين لك”. قال عبدالله : بأبي أنت وأمي” فقال: ” ولهذا جعلناها ثلاثة آلاف ألف درهم” .
فانظروا كيف تنفع الصحبة حتى بعد الممات.
يقول أبو تمام:
” ولقد سبرت الناس ثم خبرتهم
ووصفت ما وصفوا من الأسباب
فإذا القرابة لا تقرب قاطعاً
وإذا المودة أقرب الأنساب”.
لنتعرف الآن على هذا الشاعر الذي صاغ لنا هذين البيتين اللذين صارا مثالا ومثلا للناس، أبو تمام اسمه حبيب بن أوس بن الحارس الطائي، من أشهر شعراء الدولة العباسية، ولد بقرية جاسم، وهي من قرى محافظة حوران بسورية سنة 188 هـ في خلافة هارون الرشيد، وصف بأنه كان أسمر طويلاً فصيحا حلو الكلام مع تمتمه يسيره، يحفظ أربعة عشرة ألف أرجوزة من اراجيز العرب غير القصائد، مع ذكاء مفرط وسرعة بديهة، أما شعره ففي النهاية، غواص على المعاني شاعر فحل متقدم على شعراء زمانه، وهو صاحب البيتين الرائجين:
“نقل فؤادك حيث شئت من الهوى
ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبداً لأول منزل”.
كان يمتهن قبل شهرته بيع الماء وسافر إلى مصر، ثم ذاعت شهرته فطلبه محمد المعتصم بالله فجاء إلى بغداد، ثم سار المعتصم إلى عمورية فنهاه المنجمون عن ذلك فلم يطعهم وسار بجيشه وانتصر انتصاراً كبيراً، وفي ذلك يقول أبو تمام:
“السيف أصدق أنباء من الكتب
في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لاسود الصحائف في
متونهن جلاء الشك والريب
والعلم في شهب الأرماح لامعة
بين الخميسين لا في السبعة الشهب
أين الرواية بل أين النجوم وما
صاغوه من زخرف فيها ومن كذب”
وله مؤلفات عدة من أشهرها”ديوان الحماسة”، “فحول الشعراء”، “مختار أشعار القبائل”، ” نقائض جرير والأخطل”، وأهمها كلها حماسته، تولى بريد الموصل سنتين ثم مات في خلافة المتوكل على الله جعفر سنة 231 هـ رحمة الله تعالى.
أكتفي بهذا القدر.
جف القلم ونشفت المحبرة، في آمان الله

كاتب كويتي
Mshal.AlSaed@gmail.com