روائية تغوص في أعماق المراهقات لتكتب عن عالمهن وقضاياهن المعقدة

فاتن فاروق: من يتذاكى على القراء لا يحصد سوى النفور روائية تغوص في أعماق المراهقات لتكتب عن عالمهن وقضاياهن المعقدة

القاهرة – أمل زيادة:
ربة بيت منذ صغرها تحلم بأن تكون كاتبة، أخذتها الحياة، توارى الحلم في ركن ما في الذاكرة، مع الوقت وازدياد ضغوطات الحياة، استدعت ربة البيت الكاتبة لتدون وتبوح على الورق كل ما يجيش بداخلها من ألم ومخاوف وعطاء وحب ووعي.
انتفضت الكاتبة لتتحكم بزمام الحياة، لتكتب، تمتع متابعيها على مواقع «السوشيال ميديا». من يتأمل أعمالها يجدها تسلط الضوء على استغلال الفتيات ومحاولة الإيقاع بهن، كما في روايتها «أين دموعي»، ثم « تحت التهديد « التي عالجت فيها قضايا شائكة وحساسة، عبرت عن أحاسيس الفتاة المراهقة، سلطت الضوء على نقاط ضعفها، قوتها، نضجها بعد خوضها تجربة غيرت مسار حياتها.
حول الرواية والقضايا التي تعالجها، التقت «السياسة»، الكاتبة فاتن فاروق، في هذا الحوار.
– لماذا تصرين على إبراز الفتاة كفريسة؟
* المرأة مهما بدت قوية فهي من داخلها أنثى ضعيفة قد تتعرض للمشكلات. أغلب الرجال، ولا أقول كلهم، يستضعفون المرأة، يصرون على أنها أقل في الشأن منهم. في رواية « تحت التهديد « كانت «ملك « فريسة لسيف نتيجة الظروف المجتمعية وحداثة سنها. في رواية « أين دموعي « كانت» نور « فريسة مريض عقلي أوقعها سوء حظها في طريقه، لكنها لم تكن فريسة لـ»آسر» وهو الشخص الذي كان سببا في خروجها من قوقعتها.
– هل يستطيع الإنسان أن يعيش تحت تهديد مستمر؟
* كل منا له شبحه الخاص الذي يهدد جانبا منه، يسمى التهديد الآمن، الخطر أن يتبلور التهديد، يأخذ حيزا في النفوس أكبر مما قد يحتمله الإنسان فلا يستطيع العيش في ظله كما حدث مع بطلة روايتي.
– متى تتشابك خيوط الماضي والحاضر؟
* عندما يهدد الماضي استقرار الحاضر ويحاصر الإنسان بكل أخطائه.
– إلى أي مدى يجب على الفتاة التمرد ضد قيود المجتمع والأسرة؟
* عندما لا تجد من يستمع إليها أو يأخذ بيدها في وقت تحتاج إلى من يتفهمها، عندما يستبد بها الجميع دون أن يكون لها رأي أو إرادة وتقيد حرياتها بفعل معتقدات جاهلية توارثناها دون وعي منا. كثير جداً من الآباء حاملو شهادات عليا لكن فكرهم متخلف.
– ماذا عن استغلال الشاب مشاعر الفتاة البكر بغية الوصول إلى هدفه؟
* الشاب عندما يضع عينه على فتاة معينة ويريدها، يستخدم كل الحيل والوسائل المتاحة للإيقاع بها، من الممكن أن يصل لمواطن ضعفها ويستغلها لصالحه إلا إذا كانت من الوعي والإدراك لمواجهة هذا الغازي المحتل الخائن وتكون مشبعة عاطفياً في ظل رعاية أسرتها.

زنا مقنع
– ما خطورة الزواج العرفي؟
* الزواج العرفي زنا مقنع، ورقة إذا شاء أحد الطرفين أن ينهي كل شيء مزقها، كما أنه مشكوك في شرعيته، فالمرأة لا تنكح إلا بولي حتى ولو تخطت السن القانوني.
– هل تراجع هذا النوع من الزواج في ظل الانفتاح على عالم الإنترنت والسماوات المفتوحة؟
* لا أظن ذلك، شباب اليوم أغلبه لا مبال، تجرأ على فعل الكثير من الأشياء خصوصا بعد أحداث يناير، تخلى البعض عن أقنعته الزائفة التي اعتاد التخفي وراءها فظهر وجهه الحقيقي، غاب الاحترام والتقيد بالأخلاقيات، ولا أظن أن الزواج العرفي استثناء.
– هل أفاد الندم «ملك» بطلة الرواية بعد مرور كل هذه السنوات؟
* أفادها بالفعل، فقد أصبحت أكثر حرصاً على نفسها، كما إنها لم تتوقع ابداً أن يعود سيف بكل هذا التغير في شخصيته.
– أيهما عواقبه أكثر، الخوف من الفراق أم خوض المغامرة؟
* عواقب خوض المغامرة أكبر بالطبع، في حالة «ملك» خوفها من الفقد والفراق ورغبتها في التمسك بحب» سيف» وكلامه المعسول قادها إلى طريق المغامرة دون تفكير أو وعي منها، كم كانت العواقب وخيمة، خطأ أحسن استغلاله» سيف « أحال حياتها إلى جحيم.
– هل تعد «سمر» صديقة وما مواصفات الصديقة الحقيقية؟
* لا، الصديقة هي التي تعين صديقتها على تخطي المصاعب، أن تكون العين التي ترى الأخطاء، تحاول توجيه صديقتها للطريق القويم، بوضوح تام.. الصديقة هي التي ليس لها غرض أو غاية تستطيع تحقيقها من تلك الصداقة. هي الأخت التي لم تلدها الأم، تعمدت إبراز دورها في الرواية حتى لا تثق أي فتاة في أي شخص مهما حاول إظهار العكس، لابد أن تكون الفتاة في مجتمعاتنا الشرقية أكثر حذراً وحرصاً. لا تثق في أي شخص بسهولة.
– أيهما انتصر، علاقة الصداقة أم رابط الأخوة؟
* في الرواية كان النصر حليف رابط الأخوة، ساعدت «سمر» أخاها للوقيعة بصديقتها «ملك». على المستوى الإنساني ينتصر رابط الأخوة، كأنه من الطبيعي أن أستبيح الآخر بمشاعره، ناسياً أنه كما تدين تدان، أن لي أختا وزوجة وبنتا في المستقبل، وأن الله سوف يقتص مني في أغلى ما أملك، لكنها الحياة دروس وعبر، لابد أن نخطئ حتى نرى شعاع الضوء والطريق الصح.
– بم تصفين سيف؟
* شاب غرته الدنيا فاعتقد أنه هبة الله على الأرض، استغل شقيقته لتحقيق غايته من «ملك»، دون أن يلتفت إلى عواقب ذلك، تأثيرها السلبي على شقيقته.
– كيف نجحت ملك في التخلص من سيف؟
* اعتقدت أنها تخلصت منه، لكنها لم تفعل، فقد كان يملك ورقة الضغط التي لعب عليها طوال الوقت وكانت هي مصدر التهديد، لكنها في النهاية تخلصت من سيف الشرير وحل محله «سيف» الرجل الصالح.
– ما الذي يجعل الفتاة فريسة للشباب والكلام المعسول ؟
* عدم ثقتها في نفسها وإمكاناتها، الشعور الدائم بأنها قبيحة، لن يلتفت إليها أحد، إهمال الأهل، تغذية أحاسيسها السلبية، غياب قيم وتعاليم الدين، ثقة الأهل الزائدة عن الحد في الفتاة، معتقدين أنها لا يمكن ابداً أن تقع في الخطأ.
– ما نصيحتك للآباء والأبناء لتجنب تكرار مأساة ملك وسمر وسيف؟
* أقول للآباء، لا تضعوا حواجز بينكم وبين أبنائكم، لكل مرحلة سنية معاملة مختلفة، مشاركتهم في شؤونهم يجعلهم يتحملون المسؤولية، كما أن الصراع القائم بين الوالدين يؤثر سلباً على صحة الأبناء النفسية. دعونا نختلف لكن لنتفق في توجهنا نحو أبنائنا. بعض الرجال يرون أن إرشاد زوجاتهم لهم في أي شيء يخص الأبناء يعتبر تعديا عليهم أو إنقاص من قدرهم ورجولتهم، لكن اذا فكروا بعقل وتدبر سيجدون أنه من الممكن جداً أن تكون الأم هي الطبيب الذي يضع يده على العلة والأب هو الدواء الشافي.
– لكن الأولاد متمردون تحديدا في سن المراهقة؟
* الأبناء في مرحلة المراهقة، أقصد الذكور، يميلون إلى التمرد، فلا تستطيع الأم في أغلب الحالات السيطرة عليهم، لابد من وجود عنصر ذكوري يكبح جماح تلك المرحلة السنية بالمصادقة والمشاركة والتفهم، الشاب يبحث عن العاطفة خارج إطار الأسرة، ومن الممكن أن تتطور الأمور لما هو أخطر، الأم بجانب ابنتها كصديقة، لكن في الوقت المناسب تكون المسيطرة التي تضع الأمور في نصابها، العبء الأكبر يقع فوق عاتقنا، ردود فعل الأولاد هو نتاج تربيتنا واحتكاكهم بنا ليس إلا.
– ماذا عن رواية «أين دموعي»؟
* أول عمل اكتبه في العام 2008، كانت بمثابة ورشة عمل خاصة بي، تعلمت فيها مبادئ الكتابة، بمساعدة الأصدقاء حاولت العمل على نقاط ضعفي وتقويتها، استمرت تلك الورشة 6 أشهر. الرواية حالة رومانسية، عايشتها في خيالي، خلال فترة المراهقة وظلت عالقة في ذهني حتى دونتها على الورق. من يقرأها لن يصدق أنها لي، بمرور الزمن يصقل القلم، تختلف القناعات، ينضج العطاء الأدبي الذي ينعكس على كل عمل أدبي كتبناه في حياتنا. أعتز بهذا العمل جداً لأنه عمل عاطفي، رومانسي، حالم ومحاولة مني للهروب من واقعنا المرير المليء بالصخب والمشكلات، إلى عالم أكثر هدوء وسلماً ورقياً.

أكشن
– ما الموضوع الذي تتمنين كتابته؟
* بالفعل هذا الموضوع قيد الكتابة الآن، مزيج ما بين الرومانسية والأكشن. يتناول مشكلة اجتماعية غاية في الخطورة. لن تأخذ الاحداث مساراً مثالياً في هذا العمل، بل أن حل المشكلة سيكون غير متوقع وغير مشروع. أرجو إتمامه كما أتمنى.
– ما معايير نجاح العمل الأدبي؟
* ان يكون الأسلوب سلسا، سهلا، والمفردات غير معقدة، لتصل لكل شرائح المجتمع من صغير السن إلى كبيرة، عدم المط، عدم التطويل والشرح الزائد عن الحد، القارئ يشعر بالملل فيتخطى بعض المقاطع عند القراءة. عنصر التشويق مهم جداً، كما يجب على الكاتب أن يحترم عقل المتلقي، فلا يتذاكى عليه، بعض الكتابات تفرض الواقعية إذا تناولت قضية مجتمعية معينة. استخدام عبارات التدليل الزائد عن الحد يسبب النفور من العمل ككل.
– ما المعوقات التي واجهتك؟
* الإعاقة الأكبر تجاهل بعض دور النشر لدور الإعلام و«السوشيال ميديا» في توصيل العمل لأكبر شريحة من المجتمع.
– كيف ترين الشأن الثقافي الحالي؟
* مازال هناك محسوبية وتفضيل لبعض الأقلام حتى ولو كانت دون المستوى. عدم إعطاء فرصة لأقلام جديدة لتثبت نفسها. هناك صراع قائم بين الكاتب وبعض دور النشر، أغلب تلك المشكلات تعود لجهل الكاتب المبتدئ بحقوقه، تسرعه في رؤية أول عمل له دون بحث أو أخذ مشورة ممن سبقوه ولهم خبره في هذا المجال، مما يجعله مادة مستساغة في أفواه تلك الدور التي يطلق عليها الآن دور بير السلم. رغم ذلك يوجد بصيص نور من الممكن أن يحدث طفرة من خلال مبادرات فردية تسمى «الحراك الثقافي» من بعض الكتاب المحترمين، لتوعيه الكاتب في محاولة لجعله يدرك حقوقه، وإلقاء الضوء على أعمال جيدة لم تأخذ حقها في الظهور.

Print Friendly