فارق العمر بين الزوجين… لا يفسد للحب قضية المجتمعات العربية تهتم به أكثر من غيرها وتعتبره عيباً

0 75

القاهرة – رشا ماهر:

الزواج علاقة مقدسة جرى العرف على أن يكون مبنيا على التوافق الفكري،الاجتماعي،المادي، العمري، إلا أنه في بعض الأحيان يشذ البعض عن ذلك العرف، ضاربين بمعتقد التوافق العمري عرض الحائط، مبررين اختياراتهم بأن الحب هو الأقوى وهو الذي ينتصر، إلا أن تلك العلاقات ينجح فيها البعض ويخفق البعض الآخر.
عن مدى نجاح الزواج رغم الفارق العمرى بين الزوجين، أجرت “السياسة” هذا التحقيق.
تقول” م. ر” موظفة: كنت سأتزوج يوما ما بأحد زملائي في العمل، أكبره بسبعة أعوام، لم أجد أحدا يشبهني غيره، تفكيرنا واحد، قلبانا يتشابهان في صفائهما،تعاملاتنا مع الآخرين، لكن ما أقلقني كان الخوف من رفض أهله لي بسبب فارق العمر بيننا، جاءت اللحظة الحاسمة وفاجأني أن أهله يرفضون ارتباطنا بسبب الفارق في العمر وعرضوا عليه الارتباط بإحدى معارفهم، رغم تطمينه لي باستمرار بأنه سيحاول اقناع أهله لأنه سيد قراره، مؤكدا أنه في حال رفض أهله، لن ينصاع لقرارهم، لكن كانت الصدمة عندما فوجئت به يرضخ لهم،حينها أدركت أنني كنت مخطئة في اختيار شخص أصغر مني تحركه قرارات والديه، يفتقد للخبرات التي تجعل قراراته من رأسه.

طفلته الصغيرة
تقول سمر محمد ” ربة منزل”: تزوجت منذ أكثر من 8 سنوات بزوجي أحمد، بفارق عمر تسع سنوات ونصف، عشت معه أجمل أيام حياتي،يجمعنا تفاهم إلى أبعد الحدود، تزوجته فقيرا ورزقنا الله المال والبنون،أنا الآن في الخامسة والأربعين،لم أسمع منه يوما أي تلميح عن تقدمي بالعمر، بل يتعامل معي وكأنني طفلته الصغيرة المدللة، وفي اعتقادي أن ما ساعد على التآلف بيننا كان دخوله سوق العمل صغيرا، ما وسع مداركه وخبراته،أصبح يسبق مرحلته العمرية،قادرا على احتوائي، إلا أن المجتمع ورفض أهله هو الذي أضر بنفسيتي في بداية زواجنا، فوالدته إذا علمت بخلاف بيننا تبدأ بالتلميح لي أن الفارق العمري بيننا هو السبب، لكنني حافظت على بيتي إكراما له ولمعاملته الحسنة لي.

التوافق الفكري
يقول معتز علي ” محاسب”: أنا أصغر من أم أولادي بـ 15عاما، لم أفكر في الزواج إلا عندما رأيتها عند أحد أقاربنا، لم أكن أعي حينها فارق العمر الكبير بيننا، فهي مثقفة، متحدثة لبقة، استمر زواجنا ثماني سنوات حتى توفاها الله، لم أشعر بالسعادة الا معها، لذلك يستحيل أن يكون فارق العمر بين الزوجين أساسا لتحديد التوافق الفكري بينهما، الآن تزوجت من امرأة أصغر مني، ظننت أنها ستكون سندي في تربية الأولاد، لكن حياتي أصبحت جحيما مع امرأة حدود تفكيرها المطبخ والمرآة، لا يجمعنا نقاش إلا ويعقبه بكاء شديد متحججة أنني أقابل حديثها باستخفاف، لذا فالفارق العمرى ليس مقياسا لأية علاقة، سواء كانت زواجا أو صداقة.

التفكير السطحي
يقول الدكتور جمال فرويز، أستاذ علم النفس،جامعة عين شمس: هناك من يفضلون الزواج ممن هم أكبر منهم عمرا، ظنا منهم أنهم سيكونون أكثر إدراكا وأقوى شخصية، يستطيعون معهم الاحتماء من مصاعب الحياة. وثمة دراسات أكدت أن الرجل دائما يبحث عن الاستقرار مع امرأة ناضجة، تستطيع تحمل مسؤولية بيته وأولاده في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها العالم، إلا أنه مع التقدم في العمر وتقاليد المجتمع بأن المرأة تكبر ويظهر عليها علامات كبر السن قبل الرجل، نجد بعض الرجال يبدأ بلفت نظر الزوجة لذلك، فتسوء حالتها النفسية حتى تصبح غير قادرة على تقبل الوضع فيتم الطـلاق، لذا فالزيجات من ذلك النوع لا أنصح بها.
والمرأة التي تتزوج رجلا أصغر منها،كثيرا ما ينتابها هاجس الاهتمام بنفسها مقارنة بالفتيات الأصغر سنا، فهي لا ترغب ان تبدو بمظهر الأكبر سنا في عيني زوجها، هذا ليس سيئا بالنسبة للرجل،فشريكته دائما جميلة محافظة على جمالها،تتمتع بقدر كبير من اللياقة والمرونة، إلا أنه أمر مرهق كثيرا للمرأة، فمحاولة إثبات أنها ما زالت أكثر شبابا من صغيرات السن أمر مدمر نفسيا، ولا يتوقف الضغط النفسي الذي يحيط بالأنثى في نطاق الزوج، بل أيضا تجده من المجتمع اذ ينظر إليها نظرة المرأة الشمطاء التي اختطفت شابا صغيرا، كل ذلك يجعل لدى المرأة مخزونا من الكبت النفسي قابلا للانفجار مع أول خلاف.
أما الرجل فلا يتأثر نفسيا لأنه الأكبر عمرا، بل إن تقدمه في العمر مع شريك أصغر يعزز ثقته بنفسه، يجعله أكثر استقرارا من الناحية النفسية والعاطفية، في بعض الأحيان يكون وجود شريكة أصغر عند الرجل،نتاج إحساس غريزي بالقوامة. وهناك بعض الأزواج يبحثون عن شريكة أكبر عمرا لافتقادهم في الطفولة شعور الوصي ومشاعر الأمومة، فيبحث الرجل عن أنثى تشبع لديه تلك الرغبة.
نظرة المجتمع
تقول الدكتورة سوسن فايد، أستاذة علم الاجتماع،المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية: نظرة المجتمعات العربية للزواج عليها الكثير من المآخذ، فمنذ القدم والمجتمع يستغرب التفاوت العمري الكبير بين الشريكين في الزواج، و يصل الأمر أحيانا إلى حد الاستنكار والسخرية، تزيد حينما يكون الطرف الأكبر هو المرأة، ظنا منهم أنها أخذت ما لا تستحقه، فليس من حقها الارتباط بشخص أكثر منها شبابا أو في مرحلة عمرية أقل. أما الرجل فالمجتمع دائما يشجعه على الارتباط بفتيات أصغر بكثير فنجد الكثير من الرجال في بداية الثلاثينات ويتزوجون بفتيات لم يتخطين العشرين، فالمجتمع العربي يرى أن الفتاة الأصغر عمرا منعدمة الخبرة يستطيع الرجل تطويعها كيف يشاء، كما أنه ليس لديها الكثير من التجارب العاطفية والعقد النفسية الناتجة عن ذلك.
تتابع: يجب على المؤسسات التوعوية في مجتمعاتنا العربية توعية العامة بماهية الزواج،كيفية اختيار شريك حياة متوافق معهم، بعيدا عن موضوع العمر، فنحن لا يكتب على وجوهنا الأعمار،وارد جدا حدوث التجاذب بين أطراف متنافرة عمريا، إذا فثقافة المجتمع وجب عليها التغيير، ترك سياسة إجبار الأبناء على ترك شركاء أكبر عمرا، فليس هذا هو مقياس السعادة الزوجية، لافتة إلى انه مؤخرا وفي المجتمعات الأكثر استنارة لا نجد حسابا لفارق العمر، يظهر ذلك بشكل أكبر بين المثقفين والممثلين الذين يعلنون عن فارق العمر بينهم بمنتهى الأريحية والرضا، المثال الأقرب للدراسة زواج سمية الخشاب من أحمد سعد الذي تكبره بأكثر من خمسة عشر عاما، فتقاربهما الفكري والديني هو الأساس الذي بنيت عليه علاقاتهما بغض النظر عن الفارق العمري الكبير.

العقد النفسية
تقول الدكتورة رانيا رفعت، استشارية العلاقات الأسرية: الحياة الزوجية ليست معادلة صعبة فأساسها دائما التفاهم، من دون الالتفات إلى سن، جنس، عرق، لون. والمجتمع الوحيد الذي يضع شروطا للزواج هو المجتمع العربي، وهو أيضا الوحيد الذي يعيب على الراغبين في الزواج عدم تقاربهم العمري، يصل الأمر إلى منع زيجات كان طرفاها على علاقة حب شريفة، فيصاب الطرفان بالعقد النفسية الصعبة التي اكتسباها من إحساس الرفض الذي قوبل به كل منهما من عائلة الشريك، ما يولد عقد نقص كبيرة تؤثر سلبا على الفرد في علاقاته التالية. وإذا أخذنا في الاعتبار العلاقة التي يتم على أساسها اختيار الشريك الأكبر نجد معظمها سطحيا وليس جوهريا بالقدر الكافي، اذ يوجد لدى المرأة اعتقاد أن المرأة الأكبر سنا في العلاقة تظهر عليها مراحل الشيخوخة بشكل أكبر، لأنها تتعرض في حياتها للحمل والولادة، كما ان نظرة المجتمع للمرأة على أنها آلة جنسية، مع تقدم العمر تصبح أقل رغبة في الشريك،لذا يتم معاملتها على أنها أصبحت غير صالحة للاستهلاك.
بالطبع هذه المفاهيم خاطئة، فالعلاقة الزوجية ليس قوامها الجنس،الوجه،الجسد، فالحياة الزوجية عبارة عن أنيسين، زوج وزوجة، وجدا في بعضهما المودة والرحمة، يتشاركان في إنجاب الأبناء، يعميهما الحب عن عيوبهما النفسية و الجسدية،
فالله عندما شرع الزواج ربطه بالمودة والرحمة وليس بتخليد الجمال واستمرارية العلاقة الجنسية طوال العمر. مشيرة إلى أن العلاقات الزوجية في هذا النوع من الزواج تتأرجح بين النجاح والإخفاق، مثل أي علاقة زواج، وإذا استند الزوجان لهذا السبب فلا داعي لزواجهما
من الأساس، لأن علاقتهما افتقدت، بالتأكيد، عنصري المودة والرحمة.

الدين لا يمنع
يقول الشيخ رمضان محمد، عضو مجلس العلماء بالاتحاد العربي الأفريقي بالقاهرة: لم يذكر في كتب الشريعة أية مواد تشترط التوافق العمري بين الزوجين،إلا أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أفضل الخلق جميعا، تزوج السيدة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها، كانت أكبر منه بفارق عمر كبير، لكنها كانت أنيسته، معينه الأول على أعباء الرسالة، ولم يتزوج عليها في حياتها أبدا، لذا كان هذا أكبر مثال على نجاح تلك النوعية من الزيجات، كما تزوج أيضا من السيدة عائشة وكان أكبر منها وعاش سعيدا معها.
يتابع: يجب على الأهل الموافقة طالما أن الطرفين يرتضيان بعضهما زوجا وزوجة، فبعض الشباب يمر بأيام صعبة يتخبط فيها ما بين طاعة والديه وقلبه الذي يميل لمن يرتضيها أما لأولاده، حتى يقدم البعض منهم على الزواج من دون علم ولي الأمر، وهذا غير جائز، لذا يتوجب علينا أن ننصح الشاب بألا يفتح على نفسه مدخلا من مداخل الشيطان، بعقوق والديه، بل يجب عليه محاولة إقناع والديه بكل الطرق، حتى لو اضطر لتوسيط أي شخص لإقناعهما، ومع الوقت بالتأكيد سيسهل الله له أموره، ثم عليه الاستخارة، والتضرع إلى الله بالدعاء والاستغفار.
ويجب أن ينتبه الأهل أن هناك من هو أعظم من ابنهم وهو النبي محمد الذي تزوج من السيدة خديجة التي لم تكن تكبره عمرا فقط بل كانت متزوجه قبله برجلين، عندها منهما أولاد، مؤكدا أن الزواج اختيار الشخص، كما انه شراكة بالرضا وليس بفرض وجهات النظر، بالتالي يجب على الأهل عدم رفض أي خاطب لمجرد أنه يسبق ابنتهم بسنوات، التزاما بقوله صلى الله عليه وسلم:من ترضون دينه وخلقه فزوجوه.

You might also like