فاسدون يكافحون الفساد بالشعارات … وا أسفاه يا كويت!

كتب: أحمد الجارالله

في الكويت وحده الفاسد يتبجح بمحاربة الفساد، والمعتدي على المال العام يؤدي دور حامي حماه، فيرتكب فواحش نهبه ويصرخ بأعلى صوته أنه يحارب للحفاظ عليه وحماية المصلحة العامة، وعدم المس بحصة الأجيال القادمة من الثروة الوطنية، ورغم كثرة شعاراتهم وخطبهم الرنانة وزعمهم العفاف والطهارة، إلا أنهم لا يزالون يفسدون الوظيفة العامة بالـ”واسطات”، وينخرون عظام الدولة بالمحسوبيات،وكأنهم يسعون إلى جعلها رميماً، وما علينا إلا قبول ما يزعمونه وإلا سنكون من أعداء الديمقراطية وحرية الرأي!
من المسلم به أنه منذ وجدت الناس على هذه الأرض والفساد موجود فيها، وناضلت أمم كثيرة للقضاء عليه، إلا أنه كان يخرج من الباب ليعود من الشباك، حتى في الدول الأكثر شفافية وتقدما والتزاما بالقانون لا تخلو محاكمها من دعاوى فساد، وهناك دول يسجن فيها مسؤولون كبار لمجرد شبهة تنفع من المال العام، إلا عندنا في الكويت، يمارس الفاسدون عملهم بأريحية مطلقة ويتحدثون عن كفاحهم للقضاء على الفساد، وكأن واحدهم يخوض غمار حرب كبرى، فيما هو يحمل بيده ملفا متخما بجراثيم فساد تتحول أمراضا مزمنة في الدوائر الرسمية، فيسعى إلى تعيين الرجل غير المناسب في هذا المنصب أو ذاك، ولا يتوانى عن استجواب وزير رفض الوساطة، أو لم ينصع لأوامر نائب أو يطأطئ الرأس لهذا المتنفذ أو ذاك.
منذ الفصل التشريعي الأول، وكل البيانات الوزارية ومحاضر مجلس الأمة، وخطب النواب تَعِدُ بمحاربة الفساد، وتهدد الفاسدين، فيما هم ذاتهم يتحايلون على القانون بشتى الطرق لترسيخ الفساد في المؤسسات كافة، حتى بدت الكويت، هذه الدولة التي لا يتعدى عدد سكانها المليون ونصف المليون نسمة كأنها تسعى لتسجيل رقم قياسي بالتخلف وغياب الشفافية.
كل الأديان السماوية قامت على صلاح الإنسان، وأساس الإيمان نظافة الكف والعمل الصالح، إلا عندنا تجد من يزعمون التقوى يعملون على خراب المؤسسات، وكأنها ليست لهم، أو ليست الكويت وطنا دائما، رغم علمهم أن ما يخربونه اليوم يرتد عليهم وعلى مستقبل الأجيال، لذلك لا نستغرب أننا منذ نحو ستة عقود نعيش في دوامة هدم الدولة بمنهجية الإفساد المتعمد، حتى أننا لم ننل تنمية ولا قضينا على فساد.
ثمة تجارب في دول عدة عن القضاء على هذه الآفة، أو بالأحرى محاصرتها والحد منها إلى أبعد الحدود، وأصبحت أساليبها قواعد ثابتة للعمل العام، وقد أحرزت تقدما تنمويا مذهلا، بينما لدينا لا يرف جفن متبجح بمحاربة الفساد إذا عطل مشروعا، مثلا، بحجم حقول الشمال الذي كان من الممكن أن يدر على الكويت مئة مليار دولار ويوفر نحو 20 ألف فرصة عمل، أو آخر يعطل صفقة مثل “الداو” ويكبد الدولة غرامة تصل إلى مليارين ونصف المليار دولار، لأنه لم ينل حصة فيها، وكذلك يتبجح أنه أوقفها حفاظا على المصلحة العامة، ومستقبل التنمية.
في الكويت وحدها قوانين وهيئات لمكافحة الفساد تكاد توازي عدد مؤسسات الدولة، ولم يلق القبض على مرتشٍ، وحتى الأحكام التي تصدر ينقضها محام بسهولة لما في القوانين من ثغرات ينفذ منها الجمل، بل في الكويت وحدها يغطي الفاسدون شمس فسادهم بالغربال، ويعاد انتخابهم أو توزيرهم، وأضعف الإيمان يحال الواحد منهم إلى التقاعد من دون محاسبة.
إذا كان الوضع على هذه الحال، وقد عجزت الحكومات والمؤسسات كافة عن قطع دابر الفساد، فلماذا لا تكون هناك تنمية رغم الفساد عملا بالمثل الشعبي: “اعط الخبز لخبازه حتى لو أكل نصفه”، أقلها عندها نعلم أن لدينا مشاريع للخروج من دائرة التخلف التي ندور فيها منذ عقود، وبدلا من أن تشكل التقارير الدولية الأخيرة ناقوس خطر يتحمل معه الجميع مسؤولياته الوطنية، بقينا نلعن الظلام ولم نشعل شمعة أمل.