فتح المندل… ملوك الجان في خدمتك ظاهرة ابتكرها الكهنة في المعابد ثم انتقلت إلى بلدان العالم

يعتمد على استحضار الجن من عمار المكان وطرح الأسئلة عليه للحصول لكشف تفاصيل الحوادث الغامضة

القاهرة – محمد عبد الله:
عرفه المصريون القدماء ومارسه الكهنة في المعابد حيث استخدموه في أمور متعددة منها الخير ومنها الشر، وتمت ممارسته في أوروبا خلال القرون الوسطى، ولا يزال منتشرا حتى اليوم كأحد ممارسات تسخير الجان واستحضار الأرواح، لذلك يلجأ اليه من يبحثون عن أشياء بعينها مثل المسروقات، وأيضا الكنوز.
حول فتح المندل، مدى مصداقيته وكشفه للسرقات، تحضير الجان والأرواح، رأي الشرع، أجرت «السياسة»، هذا التحقيق.
يعرف الشيخ عبد الوهاب محمد، المتخصص في العلاج بالقرآن، فتح المندل، بأنه نوع خاص من جلسات تحضير الجن والأرواح، يلجأ اليه الشخص في حالة تعرضه للسرقات والحوادث الغامضة لمعرفة الجاني، معرفة مكان المسروقات، الكشف عن أسرار وتفاصيل الحوادث، من خلال استحضار الجن من عمار المكان، طرح الأسئلة عليه، الحصول عن الاجابات التي يحتاجها الشخص، يتم ذلك باحضار صبي صغير بين التاسعة والثانية عشر من عمره، يحمل في يده فنجانا مملوء بالزيت والحبر الأسود، ويقرأ المحضر أو فاتح المندل تعاويذ معينة غالبا ما تكون غير مفهومة المعنى، تشتمل على كلمات غريبة باللغة السريانية، هذه الكلمات قد تحتوي على معاني الشرك والالحاد، ثم يكتب فاتح المندل على جبهة الصبي بعض الكلمات، منها الآية الكريمة، «فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ»، ثم يأمره بعد ذلك بأن يخبره بما يشاهده، عندما يشاهد ملوك الجن، يستطيع تمييزهم جيدا، يطلب منهم أن «يذبحوا ويطهوا ويأكلوا ثم ينظفوا»، بعد ذلك يطلب المحضر من الصبي أن يسألهم عن ما يريد معرفته.
ويرى الصبي الاجابة بوضوح في الفنجان الذي يحمله ، اذا لم يتضح مكان المسروقات أو السارق، سأل ملوك الجن عن اسمه، فيكتبونه له على لوح خشب بحروف مفرقة، قد يجيب الجان عبر الصبي، بالنطق، الكتابة، الاشارة. مشيرا إلى طريقة أخرى لفتح المندل، تقوم على تركيز فاتح المندل نظره على كرة زجاجية لامعة، أو في فنجان ماء به زيت، ثم يتلو تعويذة سريانية معينة حتى يحضر الجان ويظهر ذلك من خلال حركات وتعبيرات المحضر، عندما يحضر يلقي عليه السلام، ويبدأ السؤال ثم يحصل على الأجوبة، كما يستخدم المندل بجانب الكشف عن السرقات ومعرفة أماكن الأشياء، في معرفة بعض النتائج مسبقا وقبل ظهورها.
يضيف: طريقة تحضير الجن واحدة، اذ يقوم المحضر بتعظيمه، تمجيده، تقديم الولاء والطاعة له، بجانب أنه يبيع نفسه اليه اذا كان من كبار الجن أو ملوكهم، يصبح في خدمته، يقدم له الذبائح والقرابين، لافتاً إلى أن العهود السرية بين المحضر والجن تقضي بأن الجان الذي يتم تحضيره في المندل، يكون من عمار المكان، في غالب الأحيان وهو أحد ملوك الجان السبعة، كل واحد منهم مسؤول عن يوم معين في الأسبوع، معه أخباره وأحداثه، فان أراد فاتح المندل معرفة تفاصيل حادث ما أو سرقة معينة تمت يوم الخميس مثلا، يستحضر جن يعرف باسم الملك «شمهورش» صاحب ذلك اليوم، ان وقعت تلك الحادثة أو السرقة يوم الأربعاء يستحضر جان يهودي يعرف باسم الملك «برقان»، لكن في الغالب ما يكون المندل كاذبا ويستخف الجان بفاتح المندل، من ثم فلا يصح الاعتماد عليه وتصديقه.

انواع المندل
يشير الدكتور محمد عبد الله، أستاذ علوم القرآن، جامعة الأزهر، إلى أن محضري الجان وفاتحي المندل درجات ومستوىات، يتحدد مستوى كل منهم بناء على قدراته ومدى نفوذه على طائفة الجن الذين يستخدمهم في كشف الحوادث والجرائم، مدى قدرته على النفاذ إلى تفاصيل حالات السرقة، تمكنه من الحصول على معلومات تساعد في معرفة السارق ومكان المسروقات، لافتاً إلى أن المندل ينقسم إلى نوعين، المندل الكشفي، يختص فقط بالكشف عن الجرائم، الأحداث، الأشياء المفقودة، السرقات، الغائب، المفقود، معرفة ما يحويه باطن الأرض من كنوز، لا يخدم هذا النوع الملوك أنفسهم، بل أعوانهم وأتباعهم، من أمثلته «مندل أبو يعقوب، مندل دردمان»، والثاني يسمى المندل التصريفي، يخدمه ملوك الجان الكبار الذي يعطون أمرا مباشرا لقضاء حاجة معينة، مثل المحبة، الجلب، النكاح، الربط، الكره، التفرقة بين الأحباب، الانفصال، الطلاق، من أمثلته مندل الملوك السبعة الأرضية، مندل الملك ميططرون.
وهناك مقامات للاتصال بالجان وتسخيرهم، تنحصر في أمور ثلاثة، أولها، الاستخدام، يمثل المرتبة العليا في الاتصال والتحضير، يشترط فيه التعري، الخلوة، اجتناب أكل لحم الحيوان والطير، استخدام أنواع معينة من الأبخرة، تمجيد الشيطان برسوم وطلاسم معينة، غالبيتها يحتوي على الشرك والالحاد، هذا النوع يعد أحد أشكال عبادة الشيطان وموالاته من دون الله، ثم يأخذ المحضر العهد بمساعدة وخدمة الجان. ويسمى المقام الثاني، «الاستنزال»، وهو يلي «الاستخدام» في القيمة والقدرة، يكون لاكتشاف الجرائم، الحوادث المختلفة، السرقات، فقدان الأشياء وغيرها، فيه يدعون كذبا نزول أرواح الملائكة، ما يعتبر كفرا والحادا، لأنه لا يمكن لأي كائن من كان التأثير على الملائكة من جانب الانس أو الجن، فهم يطيعون الله وحده لا شريك له، ولا يعصون أمراً ويفعلون ما يؤمرون. أما « الاستحضار «، فهو المقام الثالث، الأقل مرتبة، يكون بواسطة تلبس الجان جسد المحضر أو أحد أعوانه، يحدث له حالة تشبه التنويم يكون فيه الجان مسيطرا على الانسان، ينطق ويشير بدلا منه، لافتا إلى أن من الوسائل المتبعة في هذه الطريقة أخذ «الأتر» من ملابس وأدوات خاصة يستخدمها الشخص، من أمثلته فتح المندل.
والنوعان الأول والثاني يندرجان تحت بند الأعمال السحرية التي تعد بطبيعتها كفرية بحتة، اذ يتمثل النوع الأول في عبادة الشيطان بما يحبه من خلوة، تعرٍي، تلاوة تعاويذ وكلمات كفرية ونحوه، أما الثاني فيدعي استنزال الملائكة وهذا اعتقاد كفري، بينما يعد النوع الثالث أقلهم الحادا وشركا، الا أن السحر والاستحضار بغالبية أشكاله وطرقه يعد انعكاسا لعلاقة غير خيرة مع الجن والشياطين، تعتمد على التواصل «الشري» بين جهد «الساحر» وجهد الجان «الخادم»، حيث يقوم الساحر أو الدجال بتسخير الجن بعد تحضيره بتعزيمة معينة يتم الاتفاق عليها فيما بينهما، فاذا أراد الساحر استحضار الجان تلا التعويذة أو الكلمات المتفق عليها، فيحضر الجان ويلبي له ما يريد.

قدرات عالية
يقول أحمد عبد المنعم، المتخصص في فتح المندل وقراءة الطالع: يعد «فتح المندل» من الطرق الفعالة في كشف الكثير من خبايا الحوادث الغامضة والسرقات، يستخدم تحديدا في معرفة السارق، الكشف عن مكان المسروقات والأشياء المفقودة، يخدمه ملوك وكبار الجان، الذين ما يحضرون غالبا مرتدين الأسود والألوان الداكنة، على رأسهم تاج أسود، لهم الكثير من الأعوان، ما يجعل المندل يتمتع بقدرات عالية في الكشف عن غموض الحوادث المعقدة، معرفة السارق، تحديد مكان المفقودات، الاجابة عن الكثير من الأسئلة المحيرة. كما يعد المندل من طرق الاستعانة بالجان الخالية من الشرك والالحاد اذا كانت في الخير، مشيرا إلى أن الاعتقاد في قدرات المحضر وفتح المندل، جزء من ثقافة شعبية متوارثة منذ آلاف السنين، ولدت مصداقية لتلك الممارسات، جعلتها مستمرة ومتواجدة ومؤثرة مع التطور العلمي الحاصل.

ممارسات محرمة
يؤكد الشيخ عمرو عفيفي، عضو مجمع البحوث الاسلامية بالقاهرة، أن فتح المندل وتحضير الجن والأروح، يعد أحد أشكال التنجيم والدجل، ليس له أي سند علمي أو شرعي، حيث يعتمد على قلة الوعي وضعف الواعظ الديني لدى العامة، مشددا على أن فتح المندل وما شابه من ممارسات، تحرمه الشريعة الاسلامية، لأنه يعتبر من ادعاءات معرفة الغيب الذي لا يعلمه الا الله، كما في الآية الكريمة «وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها الا هو»، ناصحا أن يدرك الشخص جيدا أن ادراك ومعرفة الغيب بيد الله وحده، ومن يدعي معرفته أو الكشف عن تفاصيل الأحداث والسرقات، كاذب يمارس الدجل. ومن يعتقد في تحضير الأرواح والجن وقدرتهم على كشف حجاب الغيب ومعرفة الأسرار الخفية، يقع في ذنب الشرك بالله عز وجل، الكفر بما أنزل على سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، لقول النبي، «من أتي كاهنا أو عرّافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد»، رواه أحمد، ذلك في حالة ايمانه واعتقاده في الاستعانة بغير الله.
أما اذا كان فتح المندل وتحضير الأرواح من بدون الاعتقاد والتصديق على سبيل التجربة والفضول، فان ذلك يوقع الانسان في ارتكاب الذنب، كما في الحديث الشريف، «من أتي عرّافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة»، أي أن من يأتي دجالا، فاتح مندل، قارئ طالع، فيسأله عن شيء من دون تصديقه أو الاعتقاد فيه، لن تقبل صلاته أربعين يوماً، فهذا ذنب، أما اذا صدقه واعتقد فيما يقول فقد أشرك بالله ووقع في شرك الكفر والالحاد، فتلك الممارسات هي بالأساس تعتمد على الجان، الدجل، تعظيم وتأليه الشيطان من دون الله، تقديم الذبائح والقرابين له حتى يرضي عن الانسان، يكون في خدمته، يقدم له ما يريد.

Leave A Reply

Your email address will not be published.