محبرة وقلم

«فثوبي مثل ثغري مثل نحري بياضٌ في بياضٍ في بياضِ» محبرة وقلم

مشعل عثمان السعيد

مشعل عثمان السعيد

عندما تتأمل هذا البيت يتبادر إلى ذهنك سؤال، كيف يجتمع البياضٌ في البياضٍ، في البياضِ؟ أيستوي مثل هذا المعنى اللافت للنظر؟ أم أن الشاعر حر في ما يقوله؟ ويجوز له ما لا يجوز لغيره؟ هل ما وصفه هذا الشاعر حقيقة؟ أم أنها شطحة من شطحات الشعراء؟ الواقع أنها حقيقة وليست خيالاً، هذا الشاعر يصف فتاة طلبت منه أن يصفها، وقفت أمامه بقوام ممشوق، وجمال يحير الألباب، وصفها كما يراها فقال على لسانها:
«فثوبي مثل ثغري مثل نحري
بياضٌ في بياضٍ في بياضِ»
هي ترتدي فستاناً أبيض، نقية الفم، براقة الثنايا، تشع بياضا، يرى بياض نحرها، لذلك امتزج بياض فستانها بفمها وبنحرها، فصارت كالكوكب الدري، فيا له من وصف بديع، ولهذا البيت قصة طريفة، فقد وقفت جارية غاية في الجمال على ثلاثة من أشهر شعراء الدولة العباسية، وهم أبو العتاهية : إسماعيل بن القاسم (130هـ -213 هـ)، وأبو نواس : الحسن بن هانئ (145 هـ – 199 هـ)، ودِعبل بن علي الخزاعي (148هـ – 220هـ)، وقفت هذه الجارية على هؤلاء الشعراء، وكأنها البدر المنير أو الشمس المضيئة، موشحة بالعسجد، مكللة بالزبرجد، عليها الجواهر والحلي، تتمايل حسناً وجمالاً، وبهاءً ودلالاً، لا عيب بها وكأنها تبرأت من كل عيب، ترتدي ثلاثة أثواب، من الحرير الخالص، كل ثوب أقصر من الآخر، الأعلى أبيض وهو الظاهر، والأوسط أسود، والثالث أحمر، فزاد هذا الفستان جمالها جمالاً، ثم التفتت إليهم وقالت : ليقل كل واحد منكم فيّ أبياتا، فبدأ أبو العتاهية وكان أكبرهم سنا فقال:
تبدّى في ثياب من بياض
بأجفان ٍ وألحاظٍ مراض ٍ
فقلت له :عبَرت ولم تسلَّم
وإنّي منك بالتسليم راض ٍ
تبارك من كسا خدّيك ورداً
وقدّك ميل أغصان الرياض ِ
فقال : نعم كساني الله حسنا
ويخلق ما يشاء بلا اعتراض ِ
فثوبي مثل ثغري مثل نحري
بياضٌ في بياض ٍ في بياض ِ
ثم قال دعبل في ثوبها الأسود :
تبدى في السواد فقلت بدرا
تجلّى في الظلام على العباد
فقلت له : عَبَرت ولم تسلَّم
وأشمتّ الحسود مع الأعادي
تبارك من كسا خدّيك ورداً
مدى الأيام دام بلا نفادِ
فقال : نعم كساني الله حسناً
ويخلق ما يشاء بلا عنادِ
فثوبك مثل شعرك مثل حظي
سوادٌ في سوادٍ في سوادِ
وقال أبو نواس في الثوب الأحمر:
تبدّى في قميص الورد يسعى
عذولي لا يُلَقّب بالحبيبِ
فقلت من التعجب : كيف هذا؟
لقد أقبلت في زيٍ عجيبِ
أحُمرة وجنتيك كستك هذا؟
أم أنت صبغته بدم القلوبِ
فقال :الشمس أهدت لي قميصاً
قريب اللّون من شفق الغروبِ
فثوبي والمدام ولون خدي
قريبٌ من قريبٍ من قريبِ
فلما فرغوا من إنشادهم، والجارية تسمعهم، اقتربت منهم وأشارت إلى أبي نواس وقالت: لقد أجاد صاحبكم، ووجهة نظري أن المتفوق أبو العتاهية، وعلى ذكر هذا الشاعر المشهور فقد التقى بالشاعر ابن مُناذر، محمد مولى بني يربوع، وهو شاعر فصيح متقدم في علم اللغة،إمام فيها (ت 198هـ) فقال له : كيف أنت بالشعر يا بن مناذر؟ فقال: أقول في الليلة عشرة أبيات إلى خمسة عشر، فقال أبو العتاهية: لو شئت أن أقول في الليلة ألف بيت لقلت!! فقال ابن مناذر : أجل والله، لأنك تقول:
الأ يا عتبة الساعة … أموت الساعة الساعة
(مجزوء الوافر) وتقول أيضا:
يا عتب مالي ولك … يا ليتني لم أرك
(مجزوء الرجز)، وأنا أقول :
ستظلم بغداد ويجلو لنا الدجى
بمكة ما عشنا ثلاثة أبحر
إذا وردوا بطحاء مكة أشرقت
بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر
فما خُلقت إلاّ لجودٍ أكفهم
وأرجلهم إلاّ لأعواد منبر
(بحر الطويل)، ولو أردت أن تقول مثل هذا، لتعذّر عليك الدهر، وإني لا أعوّد نفسي مثل كلامك الساقط، فخجل أبو العتاهية، هذا الحوار أيها الأحبة لا يعني ضعف شعر أبو العتاهية، إلا أن للشعراء سقطات، وهو القائل الأبيات الشهيرة:
ألا إننا كلنا بائد
وأي بني آدم خالد
وبدؤهُمُ كان من ربّهم
وكلٌ إلى ربّه عائد
فيا عجبا كيف يعصى الإله
أم كيف يجحده الجاحد
ولله في كل تحريكةٍ
وتسكينةٍ للورى شاهد
وفي كل شيء آيةٍ
تدل على إنّه الواحد
كما أنه القائل :
مَنْ يعشْ يكبرْ ومنْ يكبَرْ يمُت
والمَنايا لا تُبالي مَنْ أتَتْ
كم وكم قد درَجتْ، من قَبلِنا
من قرون وقُرُونٍ قَدْ مضتْ
أيّها المَغرورُ ما هذا الصِّبَا؟
لَوْ نهيتَ النفْسَ عَنْهُ لانْتَهتْ
أنِسِيتَ المْوتَ جَهْلاً والبِلَى
وسَلَتْ نفْسُكَ عَنْهُ ولَهَتْ
نحنُ في دارِ بَلاءٍ وأذًى
وشَقَاءٍ، وعَنَاءٍ، وعَنَتْ
مَنْزِلٌ ما يَثبُتُ المَرْءُ بِهِ
سالماً، إلاّ قَليلاً إنْ ثَبَتْ
بينمَا الإنسانُ فِي الدُّنيا لَهُ
حرَكاتٌ مُقلِقاتٌ، إذْ خَفَتْ
أبَتِ الدّنْيَا على سُكّانِها
في البِلى والنّقصِ، إلاّ ما أبَتْ
إنّما الدّنْيا مَتاعٌ، بُلغة ٌ
كَيفَما زَجّيْتَ في الدّنيا زَجَتْ
رحمَ اللهُ امرءاً انصفَ مِن
نَفسِهِ، إذ قالَ خيراً، أوْ سكَتْ
جف القلم ونشفت المحبرة، في أمان الله
[email protected]

Print Friendly