“فزعة” الحرس الثوري لنجدة النظام السوري

مع تعقد أحوال وتطورات الحرب الأهلية السورية التي إشتعلت لتأكل الأخضر واليابس بعد لجوء النظام لخياراته التدميرية في مقاومة الثورة الشعبية, كان واضحا أن ارتباطات الأزمة الإقليمية وتفاعلاتها ستمتد, طوليا وعرضيا, لتشمل غالبية دول الإقليم, بل لتتطاول لآفاق ومديات أوسع, وتكون تلك الحرب الدموية إضافة الى كونها واحدة من أبشع حروب الشرق الأوسط ميدانا تفاعليا لصراعات وأزمات و ملفات دولية, وساحة لتصفية الحسابات الطويلة, وحتى الثأرية, بين القوى الدولية ذات العلاقة بتطورات الصراع وتحولات التاريخ والأنظمة في الشرق القديم بأسره.
لقد كان واضحا منذ بداية لجوء النظام السوري المتقهقر الى تفعيل آلته, القمعية والعسكرية و”احتياطيات ترسانة الصمود والتصدي و التوازن استراتيجي” وصبها على رؤوس السوريين بعد الفشل الذريع في مواجهة مهمة التصدي الأمني والمخابراتي لقمع الثورة الشعبية.
إن النظام بات بصدد القيام بأكبر خطوة ستراتيجية تتمثل في محاولة توسيع مساحات الصراع, وتوريط أكبر عدد ممكن من الأطراف الإقليمية الفاعلة استنادا الى نظرية “إن ماكبرت ما تصغر”, لأنه يعلم علم اليقين بإستحالة قدرته الذاتية على مواجهة الثورة بعد متابعته لمشاهد سقوط الأصنام والطواغيت المرعبة التي جعلته يتطير من إقتراب يوم كان شره مستطيرا, لذلك لجأ الى استخدام احتياطياته الستراتيجية المضمومة, وأهمها سلاح الحرس الثوري الإيراني الذي أنشأ في الشام منذ أوائل ثمانينات القرن الماضي قواعد عمل مركزية وسياسية توجت بتحالف وثيق بين المؤسستين العسكريتيين, السورية والإيرانية, وهو تحالف خاض صفحات الحرب العراقية-الإيرانية, واشترك في إدارة حرب الإرهاب الإقليمية الكبرى التي سبقت مرحلة الغزو العراقي للكويت عام 1990 ثم توج بقيام إمبراطورية “حزب الله” في لبنان التي مثلت الإطلالة الإيرانية الأولى على شواطىء البحر المتوسط.
فنظام الشاه الراحل كان قد تعهد بجعل الخليج العربي والمحيط الهندي منطقة نفوذ إيرانية محضة, ثم جاء النظام الديني برؤيته الشمولية, وتوجهاته التبشيرية, ليرفع شعار إن حدود المجال الحيوي الإيراني تبدأ من كابول الأفغانية لتمر ببغداد العباسية ودمشق الأموية, وتطل على المتوسط في بيروت, من دون نسيان الثغور المغاربية, أو تجاهل إمكانية تنفيذ دولة الولي الفقيه الإقليمية الكبرى التي يسعى الحرس الثوري الى تشييدها عبر استغلال الثقوب والفجوات في السياسة الغربية والتي هيأت له المجال لتسيد المشهد الإقليمي ولاكتساح مواقع عربية مهمة كانت عصية عليها, لكنها أضحت اليوم تحت سطوتها المباشرة كما حصل في العراق ولبنان, وأخيرا الشام التي نقل الحرس الثوري الإيراني آلته العسكرية إليها ليتحول المشهد السوري حالة سوريالية تتشابه الى حد ما مع صورة الحرب الأهلية الأسبانية في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي, التي سحبت معها تدخلات القوى الكبرى القائمة, وقتذاك, كألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية في مواجهة دول الحلفاء!
لقد أعلن الحرس الثوري الإيراني صراحة, ومن دون مواربة أن الحرب في الشام هي حربه الخاصة, وهي حرب مصيرية وحاسمة على صعيد تحديد وتأطير مستقبل النظام الإيراني ذاته, بل أنه إعتبرها إمتدادا للحرب العراقية- الإيرانية (1980/1988) التي كانت معاركها الشرسة بمثابة ميدان تجريبي, وتمرين واسع لتلك المؤسسة العملاقة, كما كانت تلك الحرب برهانا ساطعا للتحالف المصيري بين النظامين الإيراني والسوري, وهو تحالف بات الملاذ الأخير لنظام الأسد لمحاولة الهروب من المصير المحتوم أو تأجيله وتحويل مساراته على الأقل!
إعلان الحرس الثوري الإيراني عن حملة تبرعات عينية وتعبوية كبرى في إيران لمصلحة النظام السوري هو بمثابة إعلان نفير عسكري, وجهوزية قتالية متقدمة, وهي قد تكون مرحلة أولى وحاسمة لتصعيد الحرب الإيرانية-السورية المشتركة ضد الثورة السورية, فالاشهر الست المقبلة من عمر الصراع في سورية ستكون حاسمة للغاية على طبيعة تشكيل المشهد الإقليمي المقبل…تهديدات قادة الحرس الثوري تحمل معاني عديدة, والإيرانيون قد أعلنوا النفير… وكل الاحتمالات والخيارات قائمة!
كاتب عراقي
[email protected]

Leave A Reply

Your email address will not be published.