فشارب الخمر يصحو بعد سكرته وشارب الحب طول العمر سكران محبرة وقلم

0

مشعل عثمان السعيد

هذا بيت جميل درج على ألسنة الناس، وغناه المغنون في الماضي والحاضر، وراج رواجا كبيرا، عندما تتأمل هذا البيت ربما تسأل نفسك: ايهما أشد تأثيراً على الانسان الخمر أم الحب؟ هذا الشاعر يقول إن الحب أشد تأثيراً من الخمر، فشارب الخمر لابد ان يصحو ويفيق ويذهب تأثيرها عنه، لأن الخمر لها وقت معين وتذهب آثارها، أما شارب الحب فيظل طول عمره سكرانا، يعاني تأثير الحب عليه، أي حب هذا الذي يجعل الانسان فاقداً لوعيه طول عمره؟ هذا الشاعر لا يقصد الحب الذي يعرفه الجميع، ولكن «الحب الإلهي» عند الشعراء الصوفيين، وقد تميزوا بهذا الفن من الشعر، لأنهم غارقون في حب الله عز وجل، فهذا ابن الفارض عمر بن علي (576-632 هــ) يقول:
شربنا على ذكر الحبيب مدامة
سكرنا بها من قبل ان يُخلق الكرم
لها البدر كأس وهي شمس يديرها
هلال وكم يبدو اذا مزجت نجم
اما صاحب البيت عنوان الموضوع فهو زاهد متصوف اسمه محمد بن سكران بن أبي السعادات، من متصوفة القرن السابع الهجري.
وكان الناس في وقته يسمونه: محمد السكران، أما سبب لقبه «السكران» ففيه قولان، الأول انه كان يملك بستانا، فمن أخذ من بستانه شيئاً من دون اذنه اصيب بحالة من فقدان الوعي، حتى انه لا يستطيع السيطرة على قواه العقلية، فيصبح مثل السكران! أما القول الآخر وهو الأقرب للواقع فهو انه لقب بالسكران لتركه الدنيا، وهيامه بالله تعالى، وقبر هذا الرجل لا يزال ظاهراً في رصافة بغداد، ناحية الراشدية، ومكتوب عليه تاريخ وفاته 9 شعبان 663هــ، وهذا يعني انه شهد سقوط الدولة العباسية 656هـ، وعاش بعدها سبع سنين، وهو القائل:
قالوا تسلّ عن المحبوب قلت بمن
كيف التسلي وبالأحشاء نيران
فشارب الخمر يصحو بعد سكرته
وشارب الحب طول العمر سكران
ذكر صفي الدين في «مراصد الاطلاع» انه الشيخ الزاهد محمد بن سكران بن أبي السعادات مقمر، وانه انشأ رباطا في ناحية المباركة من قرى الخالص، والى جانب الرباط بستان له، يزرعه ويتقوت منه، أوقفه على الفقراء، وانضم اليه جماعة من الصالحين، فانقطع الى العبادة الى ان توفي، ودفن في رباطه، وعلى قبره ضريح من الخشب، وبنيت عليه قبة عالية لا تزال الى اليوم.
وكان الناس في وقته يقولون انه من سلالة سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي رضي الله عنهما، وربما أراد البعض معرفة معنى التصوف، وهو مذهب اسلامي، ولكنه وفق الرؤية الاسلامية ليس مذهبا، وانما احد اركان الدين الثلاثة: «الإسلام، الإيمان، الإحسان» لذا نجد التصوف اهتم بتحقيق مقام الاحسان، وهو ان تعبد الله تعالى كأنك تراه، وان لم تكن تراه فإنه يراك والاجتهاد في العبادات وتجنب المنهيات وتطهير القلب من الأخلاق السيئة، اما كلمة صوفي او متصوف فهي مأخوذة من خرقة الصوف التي يلبسها هؤلاء الناس، وهذا الرأي الأشهر وان كانت هناك آراء أخرى، وأول ما عرف التصوف بالبصرة وهناك عدة روايات لتاريخ ظهور التصوف منها: 150هـ – 189هـ بعد المائتين من الهجرة والحديث عن التصوف والصوفية لا يسعه هذا المجال واول من ظهر منهم البسطامي «261هـ» وهو ابوزيد طيفور بن عيسى، وكان الإمام الشافعي ينكر عليهم مذهبهم ويقول: لو ان رجلاً تصوف اول النهار لا يأتي الظهر حتى يصير احمق.
وكذلك الإمام أحمد بن حنبل، وجاء بعده الإمام ابن الجوزي، الذي ذكر في كتابه «تلبيس ابليس»الذي قال فيه ان الشيطان جعلهم يتخبطون في الظلمات، والله وحده العالم بهم، ومن أعلام التصوف السني معروف الكرخي «ت200هـ» وسري السقطي «ت251هـ» وشبر الحافي «ت227هـ» ومن المتأخرين جلال الدين الرومي «ت672هـ» ومن جميل أشعار هؤلاء الصوفية أبيات أبي منصور الحلاج التي يقول فيها:
والله ما طلعت شمس ولا غربت
إلا وحبك مقرون بأنفاسي
ولا خلوت الى قوم احدثهم
الا وأنت حديثي بين جلاسي
ولا ذكرتك محزوناً ولا فرحاً
إلا وأنت بقلبي بين وسواسي
ولا هممت بشرب الماء من عطش
إلا رأيت خيالا منك بالكاس
ولو قدرت على الاتيان جئتكم
سعياً على الوجه او مشيا على الرأس
مالي وللناس كم يلحونني سفها
ديني لنفسي ودين الناس للناس
أكتفي بهذا القدر.
جفت القلم ونشفت المحبرة، وفي أمان الله.
كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

2 × 1 =