فكّروا وتمعّنوا برسائل النُّطق السّامي

0 65

أحمد عبد العزيز الجارالله

حازمة وواضحة، الرسائل التي تضمنها النطق السامي لصاحب السمو الأمير في افتتاح دور الانعقاد الثالث لمجلس الأمة، وباتت اليوم الكرة في ملعب المؤسستين التشريعية والتنفيذية لأداء العمل المنوط بهما دستورياً من دون أي ابتزاز أو لعب على التناقضات لتحقيق مصالح خاصة أو انتخابية من خلال تقويض الدستور وتعطيله، حتى ينسجم ذلك مع ما أكده سموه بشأن “الحرص على نظامنا الديمقراطي والدفاع عنه وصونه من كل تجاوز لكي لا يصبح معول هدم وتخريب وأداة لهدر مقدرات هذا البلد وتقويض مقوماته”.
إن هذه الرسالة الواضحة والحازمة تبعتها أخرى أكثر وضوحاً، وهي أنه “لا يجوز بمن أنيط بهم الحفاظ على الدستور والقوانين مخالفتها، وعلى مشرِّعي القوانين ومنفذيها أن يكونوا هم القدوة الحسنة باحترامها والالتزام”.
على هذا الأساس يمكن القول إن الجميع اليوم بات مسؤولاً أكثر من ذي قبل، والعمل على تغليب العقل والمصلحة الوطنية، لأن أي تهاون في هذا الشأن سيؤدي إلى عواقب لا تحمد عقباها في ظل الأوضاع الإقليمية التي وصفها صاحب السمو بـ” مرحلة استثنائية لعلها الأخطر على حاضرنا ومستقبلنا جميعا”، وبالتالي لا تقبل ترف المماحكات التي يشهدها مجلس الأمة، خصوصاً في ما يتعلق بعرقلة عمله التشريعي بالاستجوابات الكيدية القائمة على مصالح ذاتية تعبر عن قصر نظر، وعدم إدراك للمسؤولية الوطنية في هذا الشأن.
اليوم، وبعد الكلام الفصل الذي تضمنه النطق السامي لم يعد هناك أي مجال للتهرب من تحمل كل ذي شأن مسؤوليته، لا في الحكومة المطلوب منها العمل بجدية على استكمال مشروع مكافحة الفساد في المؤسسات الرسمية، ولا مجلس الأمة المفروض أن يستكمل قوانين الإصلاح الاقتصادي، ويعزز حماية حرية الرأي والتعبير عبر قوانين تعالج سلبيات وسائل التواصل الاجتماعي وتمنع التعدي على كرامات الناس وإطلاق الاتهامات ضدهم من دون أي دليل، أو الترويج لمشاريع عبثية تضعف المناعة الوطنية، لا سيما بعد التطورات التي شهدتها المنطقة أخيراً، والتي استغلها ضعاف النفوس لإثارة النعرات الطائفية والقبلية.
في النطق السامي ثمة ثوابت مرسومة حدودها بعناية تفرض على الجميع العمل وفقا لما يقرره القانون والدستور، وتخرج عن المعتاد، خصوصا بتذكير سموه للمشرعين بالنقاشات التي دارت في المجلس التأسيسي الذي وضع علاجاً لها، ذلك أن التهاون وعدم الالتزام بما أقر حينها، أو محاولات الالتفاف عليه أدت إلى هذه الفوضى ما فرض التنبيه بضرورة العودة إلى كنف حصن حماية الديمقراطية الذي هو الدستور.
في المرحلة الماضية ثمة من فهم أن عدم الحزم مرده إلى ضعف في أداء الدولة، وتوهم قدرته على التأثير بها، لكن في الحقيقة كان ذلك فرصة ليعيد من يخطىء حساباته، ويثوب إلى رشده، غير أن التمادي في العرقلة والتأزيم، وتصوير الممارسة البرلمانية أنها تقوم على فرض الشروط وإضعاف السلطة التنفيذية والحكم، دفعت إلى هذا التوجيه الحازم من رئيس الدولة، فالكويت في نهاية المطاف هي الخاسرة من تعطيل المؤسسات الدستورية، ولهذا فإن قول سموه: “لن أسمح بأن نحيل نعمة الديمقراطية التي نتفيأ بظلالها إلى نقمة تهدد الاستقرار في بلدنا وتهدم البناء وتعيق الإنجاز”، هي الرسالة التي على الجميع فهم معانيها بوضوح تام كي لا يخطئوا التقدير، لأن أي خطوة ناقصة في هذا الشأن لها عواقبها على من يُقدم عليها.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.