فلسطين بين الشعاراتية والسباحة الإيرانية بالدم العربي

0

لم تنل القضية الفلسطينية من العرب والمسلمين على مدار سبعين عاما غير بيانات الإدانة والاستنكار والاجتماعات التي تنتهي إلى لا شيء واقعيا، فيما القرارات الصادرة من مجلس الأمن والهيئة العامة للأمم المتحدة، إما تسقط بفيتو أميركي أو غربي، أو تركن في المحفوظات ولا يكون لها أي مفعول.
السبب في كل ذلك أن العرب بخاصة، والمسلمين بعامة، لم يستطيعوا الاتفاق على حد أدنى من الموقف الموحد تجاه هذه القضية التي تحولت شماعة الأنظمة والانقلابات والثورات، فيما الفلسطيني جعلته الاستثمارات الدموية في قضيته اما بندقية للايجار، او مشردا يتاجر به الثوريون العرب.
منذ مؤتمر بازل في العام 1897 وضعت الصهيونية العالمية هدفا محددا لها، وهو إقامة وطن قومي لليهود، واستثمرت كل طاقاتها وعلاقاتها في دول العالم كافة من أجله، ولذلك بعد 20 عاما على هذا المؤتمر جاء وعد بلفور ليكون الخطوة الاولى الفعلية في بناء تلك الدولة.
في تلك الأثناء عمل القادة اليهود على إقناع السطان عبدالحميد الثاني بمنحهم حق الاستيطان في فلسطين، مقابل إنقاذ سلطنته من الإفلاس وتقديم الدعم المالي لها، وبعد سقوط الدولة العثمانية جاء مصطفى كمال أتاتورك ليؤيد فكرة الكيان الصهيوني، ويساعد على إنشائه.
جميعنا درس في كتب التاريخ، ماذا حصل في الحرب العالمية الثانية، والمكافأة التي قدمتها أوروبا لليهود الذين ساندوها، ويومها كانت الدول العربية لا تزال تخضع للاستعمارين الانكليزي والفرنسي، وليس لديها أي قوة لمنع فرض الامر الواقع، بل إن المقاومة العربية في فلسطين استخدمت أسلحة عفى عليها الزمن، فيما العصابات الصهيونية مسلحة بأحدث الاسلحة.
بعد العام 1948، تحول تحرير فلسطين شعارا للانقلابيين العرب، بدءا من جمال عبدالناصر الذي اعلن انه سيرمي اليهود في البحر، وخاض حربين مع اسرائيل، خسر في كليهما، بل في العام 1967 احتل الجيش الاسرائيلي سيناء وقناة السويس ووصل الى حدود الاسماعيلية، فيما على الجبهة السورية سقطت هضبة الجولان، اضافة الى الضفة الغربية وغزة.
قبل ذلك لم يسمع العرب صوت العقل، لا حين تحدث به الحبيب بورقيبة الذي تحول بين ليلة وضحاها من قائد محرر ومناضل ضد الاستعمار الى خائن وانهزامي بعدما أعلن في تصريح من الضفة الغربية عام 1966 ان على العرب التفاوض مع اسرائيل، والقبول بقرار التقسيم، ولا حين اعلن بعض العرب ان لا حل للقضية الا بالتفاوض.
بعد وفاة عبدالناصر، كمدا، في العام 1970، حاول معمر القذافي وراثة تلك الشعارات، وبدأ يستخدمها في دعايته كي يصبح الزعيم الثوري العربي، وكذلك جاء نظام “حزب البعث” في سورية والعراق ليركب الموجة، وبعدها جعل صدام حسين الطريق الى فلسطين تمر من الكويت والرياض، واعلن تأسيس ما سمي “جيش القدس” بسبعة ملايين مقاتل، وهو الجيش الذي تبخر بمجرد وصول القوات الاميركية في العام 2003 الى جنوب العراق.
اسلامياً لم تكن الحال افضل، ففي العام 1979 جعل الخميني شعار تحرير فلسطين احد اركان خطته لتصدير ثورته الى الدول العربية، واعلن الجمعة الاخيرة من رمضان كل عام يوما للقدس، كما اسس “فيلق القدس”، لكن الهدف كان توسعيا في العالم العربي، بدءا من دول الخليج، وصولا الى لبنان واليمن وسورية والعراق والجزائر والمغرب، اي ان نظام الملالي جعل بوصلته الى فلسطين تمر بكل العواصم العربية، أكان في الكويت حيث نفذ عمليات ارهابية، واخرها ما سمي “خلية العبدلي” او البحرين و السعودية، واحتلاله جزر الامارات، وليس انتهاء باليمن.
فيما استمرت السباحة الايرانية بالدم العربي الا ان “فيلق القدس” لم يلتفت الى اسرائيل الموجود منذ العام 1982 على حدودها في لبنان، ومنذ العام 2012 على حدودها مع سورية.
هذه الحقيقة هي التي جلعت اسرائيل تكسب في الجولات كافة، لانها استمرت على موقف واحد، فيما العرب والمسلمون لكل منهم أهدافه المستترة بالكوفية الفلسطينية، فتل أبيب صورت نفسها منذ البداية عصفور سلام، كما في أغنية المغني الفرنسي المؤيد لها سلفاتور ادامو، والعرب الصياد المجرم.
من هذه القناعة، توجه الرئيس الاميركي الراحل رونالد ريغان بالحديث الى الملك فهد في العام 1980 اثناء قمة كانكون للمناخ، وقوله له “اسرائيل اثبتت انها ساعية سلام، وهي صاحبة حق، فيما العرب يظهرون بمظهر الارهابي الذي يريد ان يقضي على جنس بشري”.
الرد على كلام ريغان جاء بتصرف حكيم من الملك فهد، الذي كان حينها وليا للعهد، وطرح مبادرته للسلام التي اقرها العرب في قمة فاس الثانية، ليثبت للعالم ان مسرحية السلام الاسرائيلية لا تعبر عن الواقع العدواني الذي قام عليه ذلك الكيان، لا سيما ان سبقتها مبادرة السادات التي وضعت اسرائيل في مأزق، وقد حاولت التفلت منها مرات كثيرة، لان الحقيقة ان مقتل اسرائيل يكمن بالسلام، وجعلها ضمن حدود العام 1967 التي لا يمكن أن تقبل بها.
المؤسف أن هناك دولا عربية تقيم علاقات مع اسرائيل، مثل قطر، وهي في الوقت ذاته تزايد على الدول الاخرى، وبخاصة السعودية، وتتهمها بالتخلي عن القضية الفلسطينية، فيما الحقيقة ان السعودية ودول الخليج الاخرى لا تزال الى اليوم تحاول اصلاح ما افسدته المزايدات، ولذلك اذا لم يتفق العرب على موقف موحد لن تجد بياناتهم وقممهم، ولا القرارات الدولية مكانا لها في الواقع، بل ستبقى حبرا على ورق.

أحمد الجارالله

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

1 × اثنان =