فلسفة الحياة عند عنترة

0 136

د.صبحي عبد النبي عبد الصادق

لم تكن الحياة عند العرب مجرد نوم ثبات وإحساس يقظة، وأكل لذيذ، وشرب هنيء، بل كانت تعني الوجود الذاتي وعدم الركون للغيروالرضا بالذل، يقول عنترة:
حكّمْ سيُوفَكَ في رقابِ العُذَّل
واذا نزلتْ بدار ذلَّ فارحل
ويرسم حدودًا على التعامل مع الظالم، والتصرف مع الجاهل بإشارة:
وإذا بُليتَ بظالمٍ كُنْ ظالماً
واذا لقيت ذوي الجهالة فاجهل
ويشير بعدم تجاهل الجبان بل لابد من خطة تنتهجها نحوه:
وإذا الجبانُ نهاكَ يوْمَ كريهة
خوفاً عليكَ من ازدحام الجحفل
فاعْصِ مقالَتهُ ولا تَحْفلْ بها
واقْدِمْ إذا حَقَّ اللِّقا في الأَوَّل
ويوصي بإعزاز النفس بنفسك قبل الانتظار من غيرك، وأشاربهذا زهيربن أبي سلمى:ومن لايكرم نفسه لايكرم. ويعضدعنترة قائلًا: إن العلو إما بعيش كريم أو بموت كريم، وبهذا حصر الحياة بالكرامة:
واختَرْ لِنَفْسِكَ منْزلاً تعْلو به أَوْ مُتْ كريماً تَحْتَ ظلِّ القَسْطَل
ويلوم الموت بأنه لاينجيك من آفاته مهما تحصنت له وشيدت دونه ماتظنه يحميك منه:
فالموتُ لا يُنْجيكَ منْ آفاتِهِ
حصنٌ ولو شيدتهُ بالجندل
فيحث بالعز مبلغا لايفرق به حياة او مماتا:
موتُ الفتى في عزهِ خيرٌ له
منْ أنْ يبيتَ أسير طرفٍ أكحل
ويمجد همته متجاهلًا مظهره، ويدل البيت التالي على فلسفته بالحياة العزيزة والقناعة بالملكة والاعتماد على التقرير الذاتي،حيث يقول:
إنْ كُنْتُ في عددِ العبيدِ فَهمَّتي
فوق الثريا والسماكِ الأعزل
ويبث سيرته الذاتية عبر رمحه وسنانه لا عن قومه واهله الذين انكروا عزته وانسانيته:
أو أنكرتْ فرسانُ عبس نسبتي
فسنان رمحي والحسام يقرُّ لي
ويجيب أسئلة الخواطر عن سبب نيله للعلا، ويشهد بالخير كل أفعاله ويتوجها بالنصر والمجد:
وبذابلي ومهندي نلتُ العلاَ
لا بالقرابة والعديدِ الأَجزل
ورميتُ مهري في العجاجِ فخاضهُ
والنَّارُ تقْدحُ منْ شفار الأَنْصُل
خاضَ العجاجَ محجلاً حتى إذا
شهدَ الوقعية عاد غير محجل
ولقد نكبت بني حريقة نكبة
لما طعنتُ صميم قلب الأخيل
وقتلْتُ فارسَهُمْ ربيعة عَنْوَة
والهيْذُبانَ وجابرَ بْنَ مُهلهل
وابنى ربيعة والحريسَ ومالكا
والزّبْرِقانُ غدا طريحَ الجَنْدل
ويختم هذه السانحة بمدح الخصلة التي اتت منها المذمة:
وأَنا ابْنُ سوْداءِ الجبين كأَنَّها
ضَبُعٌ تَرعْرَع في رُسومِ المنْزل
الساق منها مثلُ ساق نعامة
والشَّعرُ منها مثْلُ حَبِّ الفُلْفُل
والثغر من تحتِ اللثام كأنه
برْقٌ تلأْلأْ في الظّلامَ المُسدل

كاتب سوداني

You might also like