فهل من خالدٍ أمّا هلكنا وهل في الموت بين الناس عارُ محبرة وقلم

0 237

الخالد في اللغة: الباقي والدائم، ولا دائم إلا الله تعالى، فهو الحي الذي لا يموت “كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام” الرحمن “26-27″، والموت أيها السادة حق وسنة هذه الحياة، فهل أعددت العدة لهذا اليوم؟ أم انك لاهٍ عنه، واعلم ان ما يهوّن عليك هذا اليوم عملك الصالح وأنت بالخيار، فاسبق الموت قبل ان يسبقك، ولا تجعل الدنيا أكبر همك، أما بيت الشعر المشار اليه ففيه تسليم بقضاء الله وقدره، وإيمان تام بأن الموت حق، وليس هذا الأمر عيباً، هذا ما أراد ان يقوله لنا الشاعر والوزير والأديب الجاهلي عدي بن زيد بن حماد بن زيد بن أيوب التميمي، أول عربي كتب العربية في ديوان امبراطور فارس كسرى، وهو ترجمانه، عد من فحول الشعراء، داهية أديبا على قدر كبير من الذكاء، يدين بالنصرانية، ويعظم بيت الله الحرام، عاش في النصف الأول من القرن الخامس الميلادي، روي انه مر بالمقابر بصحبة الملك النعمان بن المنذر، فوقف النعمان يتأمل القبور، فقال له عدي: أبيت اللعن، اتدري ما تقول هذه القبور؟ قال: ما تقول؟ فأنشأ قائلاً:
رب ركب قد اناخوا حولنا
يشربون الخمر بالماء الزلال
والأباريق عليها فدم
وجياد الخيل تردي في الجلال
عمّروا دهرا بعيش حسن
آمني دهرهُمُ غير عجال
ثم أضحوا عصف الدهر بهم
وكذاك الدهر يودي بالرجال
وكذاك الدهر يرمي بالفتى
في طلاء العيش حالا بعد حال
ففكر النعمان ثم سأل عدي وقد أثر فيه ما قاله: كيف الخلاص؟ فقال له: تدين بالنصرانية، فتنصر النعمان منذ يومئذ، وعدي هذا هو السبب في تملك النعمان بعد أبيه المنذر فقد روى صاحب الأغاني بسند متصل، ان المنذر خلّف بعد وفاته عشرة بنين، وقيل ثلاثة عشر، فأوصى بهم الى إياس بن قبيصة الطائي، وملكة الحيرة الى ان يرى كسرى رأيه في من يملك بعده، وكان النعمان من بين اخوته قصيرا ابرشا احمر، فمكث اياسا على الحيرة اشهرا، وكسرى بن هرمز في طلب من يملكه عليهم، فلم يجد أحداً يرضاه، فضجر وقال: لأبعثن الى الحيرة اثني عشر ألفا من الأساورة، ولأملكن عليهم رجلا من الفرس، ولأمرنهم ان ينزلوا على العرب في دورهم، ويملكوا عليهم اموالهم ونساءهم،
ثم اقبل على عدي وكان واقفا بين يديه وقال له: يا عدي من بقي من آل المنذر وهل فيهم خير؟ قال: نعم، وفي كلهم الخير، فقال: ابعث اليهم، فبعث عدي اليهم وأنزلهم عنده، ثم اختلى بالنعمان، وقال له: لست املك غيرك، فلا يوحشنك ما افضل فيه أخوتك عليك من الكرامة فإني اغترهم بذلك، ثم كان عدي يفضل اخوة النعمان عليه في كل شيء، ويريهم تنقصا للنعمان، وأوصاهم بوصايا قبل دخولهم على كسرى، فقال لهم: البسوا أفخر ثيابكم وأجملها، واذا دعاكم للطعام فتباطؤا في الأكل، وصغروا اللقم، ونزروا ما تأكلون!! واذا قال لكم كسرى: اتكفونني العرب؟ فقولوا نعم، وان قال لكم: ان شذ احدكم عن الطاعة وافسد اتكفوننيه؟ فقولوا لا، ان بعضنا لا يقدر على بعض، كي يهابكم كسرى ولا يطمع في تفرقكم، ويعلم ان للعرب منعة وبأسا، فقبلوا منه، ثم خلا بالنعمان فقال له: البس ثياب السفر، وادخل على كسرى متقلدا سيفك، واذا اكلت فعظم اللقم واسرع المضغ والبلع، وزد في الأكل وتجوع قبل ذلك فإن كسرى يعجبه كثرة الأكل، واذا سألك: تكفيني العرب؟ فقل: نعم، واذا قال: تكفيني اخوتك، فقل له: ان عجزت عنهم فإني عن غيرهم اعجز، ثم دخلوا على كسرى فأعجبه جمالهم وهيئتهم، ثم كان من كسرى ما ذكره عدي لهم قبل دخولهم عليه، فملك النعمان من بينهم، وخلع عليه، وألبسه تاجا قيمته ستون الف درهم، وكان الفضل في ذلك لعدي بن زيد، الذي جازاه النعمان بعد ذلك بان سجنه وقتله فكان كقول عبدالعزى بن امرئ القيس الكلبي:
جزاني جزاه الله شر جزائه
جزاء سنمار وما كان ذا ذنب
سوى رصه البنيان عشرين حجة
يعلى عليها بالقراميد والسكب
فلما رأى البنيان تم سموقه
وآض كمثل الطود ذي الباذخ الصعب
فقال اقذفوا بالعلج من فوق برجه
فهذا لعمر الله من اعجب الخطب
ومن أبيات عدي بن زيد الحكيمة قوله:
اذا كنت في قوم فصاحب خيارهم
ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه
فكل قرين بالمقارن يقتدي
قتل عدي بن زيد العبادي التميمي في سجنه خنقا قبل الهجرة بخمسة وثلاثين عاما.
اكتفي بهذا القدر.
جف القلم ونشفت المحبرة، في أمان الله

كاتب كويتي

You might also like