في الكويت خلط بين إفطار صائم… وإفطار شبعان بقايا خيال

0

يوسف عبدالكريم الزنكوي

يقول المغفور له بإذن الله شيخ الدعاة الحقيقيين، وطبيب الفقراء الحقيقيين الدكتور عبدالرحمن السميط، إنه يذكر أحد الفقراء عندما أخبره أنه لا يملك المال ليشتري طعام الفطور في رمضان، لكنه ما أن يرى وجبات إفطار الصائم حتى ينسى كل ما عاناه من جوع وعطش في هذا الشهر الكريم، وبعدها يرفع يديه بالدعاء لكل من ساهم في إيصال هذا الإفطار إليهم.
صرح الراحل الكبير ذات مرة أن مشاريع إفطار الصائم التي تنفذها “جمعية العون المباشر” منذ العام 1982، أي منذ أكثر من 36 عاما، وإلى ما شاء الله، أو حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، يعد من أهم المشاريع الموسمية التي تنجزها الجمعية، إذ إنها تنفذ حالياً ما يزيد على ثلاث ملايين وجبة إفطار صائم، موزعة على 30 دولة أفريقية خلال شهر رمضان فقط، أي بمعدل 100 ألف وجبة في كل دولة، وتوزع هذه الوجبات على الأسر الفقيرة، على شكل رز وزيت ودقيق وسكر وبقوليات، و موائد إفطار جماعية في القرى النائية وفي المراكز والمساجد.
في كثير من آيات القرآن الكريم يذكرنا الله عز وجل بـ”إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ”، ولم يحدد سبحانه وتعالى دين هؤلاء الفقراء والمساكين، ولا أصلهم ولا فصلهم ولا جنسياتهم، ولا أعراقهم، إنما ذكر الفقراء والمساكين المجردين من أي انتماء ديني أو قبلي، ولهذا هناك في مختلف بقاع الأرض، وخصوصاً في غرب أفريقيا وفي وسطها وغربها، الملايين من الفقراء والمساكين، وإذا كنت هناك لا تسأل عن عنوان هؤلاء الفقراء والمساكين، لأنهم يحومون حولك بالملايين وفي كل مكان، فقط “قط خيطك”، أو إرم صنارتك، وسترى بأم عينيك ما لم تره في حياتك، كل أشكال الفقر المدقع والحاجة الماسة إلى لقمة تضيف لحياتهم المنتهية الصلاحية دقائق معدودة.
هناك في أفريقيا، إذا رأيت فقيرا فهو شبه إنسان، وما هو بإنسان، بل هو إنسان شكلاً، لأنه مجرد هيكل عظمي كسته جلود آدمية. هناك تجد الفقير الحقيقي، واليتيم الحقيقي، وابن السبيل الحقيقي، وفوق هذا وذاك، تجد الجائع الحقيقي بسبب الصوم الإجباري، طوال العام، وليس الصوم في رمضان فقط، ومن يدري فقد لا يقدرون على التفريق بين صوم رمضان وصومهم في بقية شهور السنة.
لهذا أقول إن الحسنات هناك تنهال عليك بـ”الهبل” كالمطر، وقد تقول في نفسك:”بسنا حسنات… بسنا حسنات”، على غرار كلمات الفنان الكبير سعد الفرج:” بسنا فلوس يا حسينوه.. بسنا فلوس”. وطالما تحدثنا عن الفلوس، فإن تكلفة الوجبة الواحدة لإفطار الصائم الأفريقي لا تزيد في الغالب عن دينار كويتي واحد فقط.
في الكويت، وخلال شهر رمضان الجاري، رأيت من حولي عشرات الموائد لإفطار الصائمين، وعرفت من البعض أن تكلفة وجبة إفطار الصائم في الكويت، لو حولت قيمتها إلى أفريقيا أو إلى أي من فقراء العالم، لأشبعت أكثر من إثنين من الجائعين الحقيقيين، ولكان أجرها أكبر وأفضل من أجر إشباع واحد صاحب معاش وليس فقير أصلاً.
أقول هذا لأنني أعرف أن أغلب هؤلاء الصائمين الذين يتكالبون على موائد الإفطار المحلية، ليسوا فقراء وليسوا جائعين أيضاً، وما عليك إلا أن تنظر، كما فعلت أنا، إلى ضيوف هذه الموائد الباذخة مقارنة بموائد “العون المباشر” الأفريقية غير الباذخة، لكنها تُشبع و”تترس” عيون الفقراء الحقيقيين، حينها سترى أناساً يقودون سيارات خاصة بعضها فارهة، مؤكد أنهم سائقون، وبعضها الآخر سيارات تابعة لكبرى الشركات المحلية، ويترجل من هذه السيارات أناس سمان، لا تظهر عليهم بوادر الفقر، ولا علامات الجوع، ولا حتى دلائل الحاجة إلى أي مساعدة غذائية، لأنهم كلهم، دون استثناء، أصحاب معاشات، وليسوا شحاذين.
باختصار وكما أسر إليّ أحد شيوخ الدين أن موائد إفطار صائم التي تقام في الكويت منذ عشرات السنين، إن كان لها أو فيها أجر، فإن أجرها أكبر بكثير لو أنها أقيمت في الدول الفقيرة المحتاجة، ويستطيعون أن يقيمونها بطرق عدة مأمونة ومضمونة لتصل إلى مستحقيها من الفقراء والمحتاجين من المساكين واليتامى، بدلا من ملء بطون القطط السمان من أصحاب المعاشات من السائقين والخدم والمزارعين ومن على شاكلتهم من “الموظفين”، وحتى لا يقال علنا في الدواوين إن هذه الموائد “تظاهر” رمضاني و”Show Off” ديني.

اعلامي كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

5 × 1 =