في الكويت فقط… الناس مع الحكومة الواقفة بقايا خيال

0 7

يوسف عبدالكريم الزنكوي

في نهاية شهر ديسمبر من سنة 2017، كنت برفقة الأخ العزيز خالد الحجرف الوكيل سابقاً بديوان المغفور له بإذن الله سمو الأمير الوالد الشيخ سعد العبدالله الصباح، لتقديم واجب العزاء في وفاة المغفور له بإذن الله أحمد، نجل الأخ العزيز الفريق محمود الدوسري وكيل وزارة الداخلية السابق في منطقة السلام. أنا أعرف عنوان منزل بوفهد، وأعرف أن المكان فسيح ما يكفي للسماح بوقوف عشرات السيارات حول بيته، لكنني فوجئت بمئات السيارات وقد تسورت الأرصفة البعيدة عن مكان تقبل العزاء، ما بدا أن محاولة إيقاف السيارة قريبا من المنزل باتت مستحيلة، فركنت السيارة في مكان بعيد، لنقطع المسافة مشياً على الأقدام.
كثيرون يعرفون الأخ خالد الحجرف ليس بحكم منصبه فقط، وإنما لتواضعه الجم ودماثة خلقه أيضا، لهذا كانت خطواتنا متثاقلة نحو العزاء، بسبب كثرة معارف بومبارك ومحبيه وتعدد المرحبين به. عندما أصبحنا على مرأى من موقع العزاء، كان هناك طابور طويل من المعزين، بدا لنا أن الوصول إلى والد المتوفى من خلال هذا الطابور قد يستغرق قرابة الساعة. أحد القريبين من الفريق محمود الدوسري أسر إلينا بأن غالبية المعزين لا يعرفهم، وقد لا يعرفهم الفريق الدوسري نفسه، فقال بومبارك إن هذا دليل محبة الناس لبوفهد واحترامهم له. تركت بومبارك مع معارفه، وغادرت المكان ممنياً النفس أن أتمكن من القيام بواجب العزاء في اليوم التالي، وبدا لي أنه حتى المحاولة الثانية كانت فاشلة، فاضطررت إلى الاتصال به تلفونياً دون جدوى. هل امتنع بوفهد عن الرد على المكالمات التلفونية بسبب كثرة المتصلين؟ أو أن هول الفاجعة وعظم المصيبة أجبراه على عدم الرد على أحد؟ لا أدري، لكنني لم أفلح في القيام بواجب الأخوة تجاه من أحب وأحترم.
قبل هذه الحادثة بعشرين عاما بالتمام والكمال، وتحديداً في نوفمبر من العام 1997، وكان يصادف شهر رمضان، تلقيت مكالمة دولية من الكويت، إذ كنت وقتها أعيش في دولة الإمارات العربية المتحدة. كانت المكالمة من الأخت العزيزة بيبي خالد المرزوق التي واصلت حديثها معي تارة ومع زوجتي تارة أخرى لفترة امتدت لأكثر من ساعة، تناولنا خلالها الكثير من القضايا الكويتية، الاجتماعية منها والسياسية. الغرض الأساس لهذا الاتصال كان للتأكد من مضمون مقالة كتبتها بعنوان “الناس في الكويت مع الواقف”فشرحت لها أن مكتب الفريق المتقاعد عبدالحميد الحجي في الإدارة العامة للمرور كان يعج بالمراجعين، وديوانه أيضاً كان يفيض بالرواد، إلا أن أغلب هؤلاء كانوا من المتملقين من أصحاب المصالح الشخصية، وكانوا يقدمون فروض الولاء والطاعة لأبي خالد، سواء في المكتب أو في ديوانيته، بحكم منصبه الحساس فقط (وكيل وزارة الداخلية المساعد لشؤون الإدارة العامة للمرور) حتى وإن كان بوخالد من الشخصيات المشهود لها بحسن الخلق وطيب المعشر وإقدامه على تقديم المساعدة لكثيرين لا يعرفهم. ثم تقاعد بوخالد فجأة، فاختفى المراجعون واندثر الرواد، وسكت ضجيج المنصب إلى الأبد.
قبل أكثر من أسبوع أحيل الأخ العزيز محمود الدوسري إلى التقاعد، وأعتقد أن بوفهد سيمر في هذه التجربة نفسها شخصياً، لينقطع عن صخب المراجعين، وليسكت رنين تلفونه، وليتوقف الزائرون المتمصلحون عن طرق باب منزله. هذه الحالة تذكرني بمن أوقف بكرة فيلم سينمائي صاخب فجأة، ليعم المكان أو صالة العرض صمت القبور. إنها حقا تجربة مؤلمة، خصوصاً لمن تعود على الصخب والضجيج.
لا أدري ما الذي دفعني إلى تخيل الحكومة أيضاً في هذا الموقف، فالحكومة تعرف أعراض هذه الحالة تماماً، وقد تمر هي بنفس هذه التجربة القاسية يوماً ما، وحتماً ستكون عليها مريرة إن هي طبقت القوانين، وأوصدت أبواب الولاءات، وأغلقت حنفية التوظيف العشوائي، وأوقفت العطايا و”الرضاوات” وغيرها من الهدايا السياسية والاقتصادية. هي تمارس كل هذه النشاطات حتى لا تشعر بالوحدة القاتلة، وحتى لا ينبذها أحد، فتلذذ هذه الحكومة بصخب المتملقين وضجيج المتمصلحين، لأنها تعرف أن لا أحد يحبها بصدق، ولا هي صاحبة إنجازات أو مبادرات حتى يمدحها أحد “من قلب” أو لكي يقدموا لها التقدير والثناء. ولهذا فهي مجبرة على مواصلة العطاء المادي لإقناع نفسها أنها محبوبة وأن لها مريديها، وأن هناك من يحبها أو من يريد أن يكسب ودها، لكن إلى متى؟

شصاير فينا؟!:
من رئيس القسم لي حَد الوزير
نادر اللي له نوايا صالحه
ناقة الديرة اتركوها في الهجير
وعقْب حَلْب الديد… قالوا “مالحة”!
أصغر مْوظف… إلى أكبر مدير
منهو ما خلّاها “عِزْبه” لصالحه؟!
“كالحه” هذي الليالي يا عشير
واقرا في القاموس معنى “الكالحه”!!
في أوضح من الشاعر “وضاح”؟؟

اعلامي كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.