في ذكرى رحيل الشيخ سعد العبدالله الصباح.. رجل التاريخ

داود البصري

في تاريخ الأمم والشعوب محطات فاصلة, ورجال تاريخيون حفروا بأصابعهم في الصخر في خدمة شعوبهم ومن أجل تحقيق نهضتها ورفعتها, وفي دولة الكويت التي نشأت على قيم الحرية والعدالة والخير, برز الرعيل الأول من رجال التأسيس الذين كانت لهم بصماتهم الخالدة في بدء مسيرة النمو والتطور والانطلاق لدولة عربية صغيرة الحجم, لكنها كبيرة الطموح والأهداف, معتمدة على إرادة شعبها العربي الطيب الصابر الذي عانى ما عانى من أجل حفظ ورعاية ونشأة الدولة الكويتية الحديثة.
الكويت ليست مجرد بئر نفط كما يوحي الخصوم ويشيع, بل انها قيمة حضارية مضافة نبتت في تربة شمال شرق الجزيرة العربية لتكون حصنا لكل ما هو طيب ومتطور وأصيل, ودارا للفخر والشرف والكرامة, وديوانا للعرب والمسلمين, وعنوانا للتطور والانفتاح الحضاري.
الكويت قيمة حضارية متميزة لمن يعرفها حق المعرفة, وفي مسيرة الكويت الحديثة برز رجال عاهدوا الله والشعب على الإخلاص في البناء, وعلى التسامي في خدمة الأهداف الوطنية الكبرى, وكان منهم الأمير الراحل الوالد الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح الذي رحل عن دنيانا في مثل هذه الأيام قبل ثمانية أعوام (13 مايو 2008), وترك للشعب وللتاريخ الذي لا يعرف المجاملة ولا النفاق تراثا وسفرا سياسيا متميزا من العطاء والإنجازات. وبما رسخ وعزز من كيان وصيرورة الدولة الكويتية الحديثة.
التاريخ سيقف طويلا عند مرحلة الشيخ الراحل سعد العبدالله الذي شكلت إدارته القيادية لمفاصل مهمة في الدولة سواء في وزارة الداخلية التي كان ضليعا متميزا بها وعارفا لجميع مداخلها وأسرارها, أو في ولاية العهد التي تشرف بحمل أمانتها منذ رحيل الراحل طيب الذكر الشيخ صباح السالم الصباح أواخر العام 1977.
لقد مثل الشيخ سعد مرحلة مهمة من مراحل التطور الوطني الكويتي, وكان عنوانا صريحا وواضحا على أصالة الكويت ونقاء سريرتها على المستويات المحلية أو القومية, ولن ينسى التاريخ هبة الشيخ سعد العبدالله الشجاعة ابان مجازر ومعارك أيلول (ديسمبر) في الأردن بين المنظمات الفلسطينية والجيش الأردني في العام 1970 حينما غامر وذهب وسط لهيب المعركة لينتشل القائد الفلسطيني ياسر عرفات من موت محقق ويضمه للوفد الكويتي الذي ادى دورا تاريخيا في إنهاء تلك المأساة المحزنة في مؤتمر القاهرة العام 1970 والذي شهد في نهايته رحيل الزعيم المصري جمال عبد الناصر.
لقد كان الشيخ سعد شخصية تاريخية كويتية متميزة, عرف باخلاصه ووفائه للكويت وتميز بروحه العربية الأصيلة المخلصة, وكان أحد أعمدة بناة الدولة الكويتية الحديثة وشكل مع الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد (طيب الله ثراه) ثنائيا رائعا وقلعة من قلاع مقاومة الإرهاب الأسود الذي ضرب الكويت في أوائل ثمانينات القرن الماضي والذي تواصل عبر عمليات إرهاب دولي رهيبة تضمنت تدمير المنشآت الحيوية والسفارات كما فعل حزب “الدعوة” الإرهابي العراقي العميل للنظام الإيراني أو في محاولة الإغتيال الآثمة للشيخ جابر العام 1985 أو في عمليات خطف الطائرات (كاظمة) 1985 والجابرية 1988 وغيرها من عمليات التعرض الإرهابي القذرة التي كانت الكويت هدفا ومسرحا لها, واجهها الشيخ سعد بتحد وشموخ وإباء بقولته الشهيرة الخالدة:”الكويت لن تنحني أو تركع للإرهاب”!
كان الشيخ سعد (رحمه الله) يحمل ملفات الهموم الكويتية على عاتقه أين ما حل وارتحل. وكان صوتا مدويا في الدفاع عن إستقلال وسيادة الكويت, وكان واضحا في مباحثات جدة التي سبقت الغزو العراقي للكويت بأيام, كما أدار ملفات الكويت وقت محنة الغزو الغاشم بكل حرص وأمانة وتفان حتى عاد ليقبل تراب الوطن بعد التحرير العام 1991, وكان أول العائدين ليخوض مرحلة تحد خطرة جديدة هي مرحلة إعادة البناء ليس بمعناه المادي فقط بل بمعناه النفسي بعد الصدمة الكبرى التي أصابت الشعب الكويتي بما جرى وحصل, وقد تركت تلكم الأحداث الجسام أثرها الواضح على صحته, ولكن رغم كل الظروف والمخاطر والتحديات ووسط هموم الغدر من البعض الذين تنكروا للكويت وأفضالها ظل الشيخ سعد متماسكا قويا حريصا على إعادة البناء وتحصينه بأقوى من السابق, وكان من أهل الحسم والعزم والبناء, وكان محبا للشعب بكل أطيافه فبادله الشعب هذا الحب والوفاء.
تحية إجلال وإكبار لذكرى الشيخ الوالد الراحل سعد العبدالله السالم الصباح, وتحية لشهداء الوطن, وتحية للرجال الرجال أهل المواقف الصلبة.
لقد كان الشيخ سعد رمزا كويتيا خالدا في سفر الوطن وسيظل التاريخ يتشرف بمنجزاته ومآثره… طيب الله ثراه وجعل الجنة مأواه والحمد لله على كل حال, والرحمة والغفران لأبي فهد سعد الكويت وفخرها.
/ كاتب عراقي
dawood.albasri@hotmail.com