عمود كهربا

في قطر قلتم الكثير عمود كهربا

منذ اتخذت حكومات دول خليجية وعربية موقفا ديبلوماسيا من دولة قطر، والكل يسأل الكل عن رأيه، ولأننا العرب شعوب عاطفية، فانطباعاتنا وما تدفعه من آراء غالبا ما تكون أشد ميلا وأحد سنا وأكثر شدة من لوكانت انطباعات تتولد عنها تشريحات عقلية منطقية وعملية، ولا يستثنى من هذه الدافعية العاطفية كثير من النخبة أومن يفضلون لقب مثقفين، والذين تسارعوا «ليسجلوا» آراءهم على صفحات الجرائد وفي أروقة مواقع التواصل الاجتماعي.
ومنها خرجنا بقراءة ترقص على حبل تكهنات وقراءات متشائمة وأخرى متفائلة، فبات فعل قراءة الإعلام والاستماع إليه أومشاهدته كفعل اللجوء لعرافين، يقرأون لك ماضيك ليتكهنوا بمستقبلك مستندين على حاضرك المهزوز، فخلصنا إلى مقالات تهييج مندفع، وآراء محاباة لا سياسة فيها، وتعظيم ذاتي لدور دولة الكويت بمعزل عن قراءة واعية ويقظة لمتشابكات الواقع السياسي للمنطقة.
ولا عيب في شباب يريد أن يسجل بقلم نام موقفه، ولا بكبار كتاب يتوقع منهم القارئ رأيا، ولكن كل العيب في عقلية شعبية باتت قادرة على أن تسوق النخبة، وفي سبق عقيم لتسجيل رأي من دون إدراك يسبقه ولا فائدة تلحقه، ففي الثمانينات من القرن العشرين كانت الصحافة العالمية والعربية تتسابق على الخبر والصورة وتفاصيل توثيق الأحداث، أما في زمن الكتروني بارد وسهل، فقد أصبح الكتاب يتنافسون على من يسجل رأيه أولا حتى يثبت التاريخ أنه سبق غيره حين قال! ولكن ماذا قال؟ وفي أي منفعة صب قوله؟ يظل سؤالا بلا جواب.
ولا مشكلة أبدا مع الانتظار يا نخبة، ولا مانع من الحذر اليقظ يا من يقرأ لكم عوام الناس، ولا بأس لوأمضيتم الوقت في تتبع متشابكات الموقف وقراءة الواقع الراهن متخلين عن عمامة العراف وعباءة المنجم، فيكون دوركم تنويريا لا تحريكيا حتى يحين موعد الحراك، فهذا الجراح يعد همته لينظر في محل المرض ويستخرج بقراءته لواقع الحال ما احتاج أن يستخرجه من نتائج، من دون أن يضمن للمريض أوأهله النجاح.
ولو كانت قيادات دول العالم المستقرة -وأخص هنا آل صباح في دولة الكويت- تفتقر لعنصر الروية، لما كانت هذه الدول وأولاها الكويت في استقرار اقتصادي ممتد على أكثر من خمسين عاما، ما تضخم اقتصادها، ولا ضعفت قوة دينارها، ولا جاع فيها مواطن ولا مقيم، تحافظ الدولة في ظل هذا الاقتصاد المستقر على دعومها الغذائية دون شح، في الوقت الذي تعاني منه دول مجاورة في إقليم الخليج المنتج للنفط مما نجحت قيادة دولة الكويت في منعه عن شعبها. وليس في هذا صدفة ولا حظ، لكنه قوة اقتصادية عززتها قيادة مستنيرة ضمنت لشعب هذا البلد عزته لعقود.
بهكذا حكمة تدار الشعوب، وبقراءة للواقع تبني مستقبلها، لا بتهييج حديث ولا موج كلام ولا تراشق آراء ساذجة وضعيفة أوخائفة ومهزوزة، فلوملكنا ما استطعنا به أن نضوي على ظلمة حدث فلنشاركه الآخر، أما لوكان ضوء مصباحنا ضعيفا، وميلنا يلبس العقل بشتا يتبختر به، فلا بأس علينا لواستنرنا بمن ملك منا نور الحكمة والدراية.. وخرسنا.. حتى نفهم.

هديل الحويل