قابوس… سلطان النهضات

0

أحمد عبد العزيز الجارالله

تطوي سلطنة عمُان الصفحة الـ 48 من كتاب نهضتها المستمرة منذ العام 1970، لتفتح أخرى أكثر إشراقاً في المجالات كافة، السياسية والاقتصادية والتنموية، مستندة في ذلك الى رؤية رشيدة واقعية لسلطان نذر نفسه لخدمة بلاده.
في الحديث عن عمُان لا بد من التوقف عند التغيرات الهائلة التي شهدتها طوال نصف القرن الماضي، من عمل دؤوب، وأين كانت في العام الذي تسلم فيه قابوس بن سعيد مقاليد الحكم، وأين أصبحت.
أذكرأنني كنت الصحافي الأول الذي يقابل السلطان فور وصوله إلى مسقط، على متن طائرة صغيرة، في ذلك العام، في مطار متواضع جداً، يومها سألت السلطان الشاب عن أحلامه، في ذاك البيت البسيط حيث مقر إقامته، فقال: “إن الأحلام كبيرة بحجم الوطن والانسان العماني”، وتحدث عن المشاريع الثقافية والتعليمية، لأن الإنسان في نظره أصل أي تنمية، فلا العمران ولا حداثة البنية التحتية يفيدان أي دولة من دون الانسان، ويومها تحدث عن مبنى أوبرا، وأوركسترا سلطانية، وبنية تحتية تعليمية متكاملة، إضافة الى مشاريع صحية، وغيرها الكثير.
كان الحلم كبيراً، إذا قارنا الوضع الذي كانت عليه عُمان في تلك المرحلة… دولة مغرقة في التخلف عن عصرها، تفتقد الى البنية التحتية في المجالات كافة، وكأنها لم تدخل القرن العشرين، ولهذا رأيت في أحلام قابوس تحدياً كبيراً، لكنه كان مؤمناً بمقولته الشهيرة: “إن أرض عُمان طيبة لا تورث إلا شعباً طيباً، يتحدى الصعاب ويتغلب عليها، لإيمانه بوطنه، وعزيمته”.
اختار السلطان قابوس التفرغ لبناء الانسان العماني، وأن تبقى بلاده على الحياد في بحر المشكلات الهائج الذي يضرب العالم العربي والإقليم، بدءاً من الثورة الايرانية مروراً بالحرب العراقية – الايرانية، وزيارة السادات الى القدس، وغيرها من المشكلات والأزمات التي ضربت عواصفها المنطقة، ولهذا أصبحت السلطنة اليوم محل ثقة جميع الأطراف، في الاقليم والعالم، تؤدي دور الحكم والوسيط.
بعد سنوات على لقائي الأول به، زرته في قصر قلعة الحصن، ويومها رحت امتدح جمال البناء، فقال لي: “هذا القصر، وكل ما يحيط بي ملك للسلطنة، وأنا لا أملك إلا إقامة في هذا القصر، واستقبال ضيوف الدولة بما يليق بها، وبشعبها”.
لم ينتفع قابوس بن سعيد يوماً، لأنه لم يغلب الذات على العام، فخيرعُمان لأهلها، ولهذا تجاوزت بلاده المحن كافة بقوة أكبر مما سبق، حتى حين ضربت حمى ما سمي “الربيع العربي” الدول العربية، زاد الالتفاف الشعبي حوله، وكان شعار العمانيين كافة “السلطان والشعب ضد الفساد”.
طوال 48 عاماً من مسيرة النهضة هذه لم تتراجع السلطنة خطوة واحدة للوراء، لذلك هي اليوم على مشارف الاكتفاء الذاتي، لذا حتى في الكوارث الطبيعية، كالأعاصير وغيرها، لم تستجد أحداً، وعلى هذا أكد قابوس “أن شعبنا سيتغلب على الكارثة، ويعوض الخسائر”، فالعماني تعلم طوال العقود الخمسة الماضية الاعتماد على الذات، من أجل بناء يليق بما حققته النهضة، التي يفخر بها، ومعه يفخر كل خليجي وعربي.
رسخ السلطان قابوس فكرة التسامح بين شعبه، حتى تحولت سلوكاً عاماً، فكما تعيش التسامح بأرقى صوره في الداخل، وكما تنأى الحكومة بنفسها عن مشكلات الاقليم، محافظة على علاقات طيبة مع الجميع، كذلك العماني، يمارس النأي بالنفس في سلوكه عن مشكلات المنطقة.
في كل مرة كنت التقي فيها السطان قابوس، أرى الإصرار في عينيه على استكمال مسيرة الأحلام الجميلة القائمة على رفاهية الشعب المؤمن بوطنه، وصواب قرارات سلطانه، ولهذا في الوعكة الصحية التي ألمت به قبل سنوات كانت عُمان كلها، من مشرقها الى مغربها، وشمالها الى جنوبها، تلهج بالدعاء له كي يعود مشافى معافى، ليستكمل مسيرة جعل الأحلام الوطنية واقعاً مشهوداً.
لهذا كله، لا يمكن أن تجد في التاريخ سلطاناً أو قائداً أجمع الناس كافة على تقديره ومحبته والإعجاب بما حققه لبلاده، مثل ما هي الحال مع قابوس بن سعيد، فالسلطنة اليوم، محل إعجاب أبناء الإقليم والاصدقاء، قبل أن تكون محل إعجاب شعبها الذي يبادل سلطانه الوفاء والمحبة والمودة، لأنه جعل من نهضتها نهضة سلطانية، بل هي سلطنة النهضات.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

19 + واحد =