قابوس وسيمفونية بناء الإنسان وإعمار المكان

0 416

أحمد عبد العزيز الجارالله

تحتفل اليوم سلطنة عمان بالعيد الوطني في ظل حركة نهضوية مستمرة منذ 48 عاماً، سجلت خلالها أرقى درجات التطور المتكامل بين الإنسان والعمران، وسياسة خارجية متوازنة قائمة على التعاون البناء مع الدول كافة.
في هذه المناسبة لا يمكن قراءة الإنجازات العمانية من دون الحديث عن باني النهضة السلطان قابوس بن سعيد، الذي حين قابلته للمرة الأولى عقب تسلمه زمام الحكم في عام 1970، رأيت التحدي في عينيه، والإصرار على نقل بلاده من الظلمة الى النور.
في ذلك اللقاء الذي جرى ببيت متواضع، وعلى ما اعتقد يقع حاليا بالقرب من قصر العلم حيث المقر السلطاني، لم تكن هناك بنية تحتية، ولا فنادق، والمطار عبارة عن مدرج عادي للطائرات، وأذكر أنني أقمت في مخيم لشركة إيطالية كانت من أولى الشركات العاملة في السلطنة.
يومذاك جرى الحديث عن رؤية السلطان المستقبلية لبلاده، وكنت مندهشاً إزاء تلك المشاريع التي كانت بالنسبة لكثيرين بمثابة أحلام، فمن الطرق والمستشفيات والمدارس الى دار الاوبرا والجوقة السيمفونية السلطانية، فيما كانت الامكانات محدودة، لكن كل هذا تحدث عنه السلطان الشاب، آنذاك، وكان تشديده على أن العمران لا يكون للحجر فقط، بل يجب أن يقترن ببناء الذات الوطنية.
بين فترة وأخرى حين أزور السلطنة أجد أن ما تحدث عنه السلطان قابوس يتحقق، فالشوارع والبنية التحتية بدأت منذ ذلك الوقت تتطور، وكذلك الانسان العماني الذي أخذ على عاتقه أن يكون مساهما فعالا، فاتجه الى العمل في المجالات كافة لا يتبرم من أي مهنة، ليترجم ما يتعلمه في المدارس والجامعات.
حتى في القرى والنواحي والولايات تجد اللمسة السلطانية القائمة على التخطيط السليم والمنسجم مع البيئة المحلية، لأن اهتمام قابوس الاساس كان، ولا يزال، دفع عُمان إلى حالة متقدمة من المعاصرة مع الإبقاء على الأصالة العُمانية التقليدية بحيث لا تفقد السلطنة هويتها، وهو ما يلمسه اليوم الزائر في كل جوانب الحياة، فيدرك ماذا يعني التزامن بين تنمية الإنسان والعمران.
هذه السيمفونية من التطور ما كان لها ان تنجز لو كانت السلطنة انشغلت في المشكلات الإقليمية والخارجية، ولهذا اقترن ذلك بسياسة خارجية قائمة على النأي بالنفس الحقيقي، والمطبقة بحكمة، ما يجعلها النموذج الواقعي” صفر مشكلات” مع دول الجوار والإقليم والعالم، بل إن مسقط كانت في “مجلس التعاون” الخليجي، وجامعة الدول العربية صوت الاعتدال والوساطة بين الأشقاء، فهي، مثلا، رفضت في قمة بغداد مقاطعة مصر إثر توقيع الأخيرة اتفاقيات “كامب ديفيد” مع إسرائيل، لعلمها أن العزل يضعف العرب.
هذا النهج السياسي أكد صوابية موقف السلطان قابوس من المشكلات الكثيرة في المنطقة، بل جعل مسقط عاصمة للوساطات وتقريب وجهات النظر بين المتخاصمين، فيما لا تخلو جعبته من الحلول الواقعية، لذلك اعتبر على المستوى الدولي من أكثر الوسطاء حياداً وحكمة.
حركة الإنجازات العمانية المستمرة منذ 48 عاماً، تحصد اليوم ثماراً كثيرة من تلك المشاريع – الأحلام، فها هو مطار مسقط الدولي الذي افتتح قبل أشهر يعتبر واحداً من أكبر المشاريع السلطانية، من أجل تطوير صناعة السياحة والنقل في البلاد.
العمران في الإنسان انعكس على الشخصية العمانية، ففي العقود الماضية سجلت عمان أدنى معدلات الجريمة في العالم، ومرد ذلك أن سياسة الدولة ألَّا يضام أي مواطن أو مقيم، فالأبواب مفتوحة أمام الجميع، مضافة إليها الجولات الدائمة للسلطان قابوس على الولايات والأرياف، والاستماع إلى شكاوى المواطنين ومطالبهم تشكل مصدراً من مصادر الأمان النفسي للمواطنين.
هذا الهدوء في التعاطي مع الآخرين يعبر عن المعنى الحضاري لحركة النهضة العمانية التي أرادها السلطان لبلاده، وهي جعلت الشعب يبدو على ديدن سلطانه بالرقي والتحضر، في تطبيق أمين لمقولة الناس على دين ملوكهم.
لذلك اليوم حين نتحدث عن 48 عاماً من حركة البناء الخلاق التي تسير فيها سلطنة عمان، فنحن نتحدث عن أحلام سلطانية تحولت حقيقة، فهنيئاً لعمان بالإنجازات الكبيرة وهنيئاً للعمانيين بقابوسهم.

You might also like