قادة دكاكين التحرير الفلسطينية… باعوا القضية ليشتروا وطناً بديلاً

0 4

أحمد عبد العزيز الجارالله

أقر الكنيست الإسرائيلي، قبل أيام، قانون يهودية الدولة، ومعه أقفلت نافذة جديدة في عملية التسوية بين الاسرائيليين والفلسطينيين، وفتحت الابواب على تنازلات أكثر يقدمها قادة الفصائل، إما فرادى أو مجتمعين، وأولها لا شك حق العودة، بعدما تحولت دول الشتات الفلسطيني أوطانا بديلة، فيما قادة تلك الفصائل على سيرتهم الاولى منذ 70 عاما، لم يبدلوا نهجهم الذي جرعليهم النكبات والهزائم والكوارث.
قبل هذا القانون، وقبل أشهر، كان قرار نقل السفارة الاميركية الى القدس، باعتبارها، من وجهة نظر ادارة البيت الابيض الحالية “عاصمة إسرائيل الأبدية” ورغم همروجة الادانات والاستنكارات الفلسطينية والعربية، الا أن شيئا لم يتغير وساكنا لم يتحرك، وهو أمر ليس مستغربا طالما ان التجارب كثيرة في مسار التنازلات الفلسطينية.
هنا لا بد من تذكر بضعة أحداث تاريخية، ففي بداية الصراع العربي – الاسرائيلي، قال الملك، الراحل، عبدالعزيز للعرب: “لا ترسلوا جيوشا الى فلسطين، انما قدموا الدعم لشعبها، الاسلحة والاموال، كي يقاتل هو من أجل استرداد أرضه، وأمنوا له الدعم السياسي في العالم”.
فيما كان المطلب الفلسطيني في ذلك الوقت الدعم بجيوش عربية، فتشكل جيش الانقاذ الذي تحول أكبر عامل للنكبة الفلسطينية الاولى، لتتوالى بعدها النكسات، أو بالاحرى التنازلات لتتحول فصائل التحرير بنادق للايجار.
اذكر في هذا الشأن انه في العام 1965 حضر الى مكتبي في “السياسة” المهندس الفلسطيني الشاب، وقتها، ياسر عرفات برفقة هاني الحسن، وأخرج من جيبه صورة مثل الصور المستخدمة في جوازات السفر، وقال: “ارجو نشر هذه الصورة مرفقة بخبر، ان الاخوة في حركة “فتح” اختاروني امين سر اللجنة المركزية للحركة”!
قلت: إلى اليوم لم نعرف أحداً من قادة المقاومة الفيتنامية الذين يقاتلون واحدة من القوى العظمى في العالم، وكذلك لم نعرف أحداً من قادة الثورة الجزائرية، فيما انتم تسعون الى الاعلام وتتركون القضية الأساس.
أجاب: “هذه إرادة الاخوة في الحركة”، قبلها كانت القوى الفلسطينية التي لا تزال وليدة قد تبنت مواقف الدول العربية المختلفة، وتحولت بعد ذلك واجهة سياسية لها، فمن كان مع عبدالناصر هاجم المملكة العربية السعودية، واتهمها بالرجعية، ومن انتصر للحكم البعثي في العراق ناصب سورية العداء، ومن تخندق مع معمر القذافي ثار على الدول العربية كافة، حتى ضاعت فلسطين في الشعارات، ولهذا فإن أصدق توصيف للحال الفلسطينية ما قالته الرئيسة السابقة لوزراء العدو غولدا مائير، صبيحة 22 اغسطس 1969، اي في اليوم التالي لإحراق المسجد الاقصى: “لم أنم ليلة امس وأنا أتخيل كيف سيدخل العرب فلسطين أفواجاً من كل صوب، لكنني عندما طلع الصباح ولم يحدث شيء، أدركت أن باستطاعتنا فعل ما نشاء، فهذه أمة نائمة”.
طوال مرحلة المقاومة الفيتنامية للفرنسيين ومن بعدهم الاميركيين، لم نسمع إلا باسماء قليلة، منها هوشي منه، فيما التركيز كان على المقاتلين في الغابات والمستنقعات، ويومها لم يدفع لا الاتحاد السوفياتي ولا الصين بقواتهما لمساعدة الفيتناميين في القتال، بل كانتا تقدمان لهم السلاح والمساندة الاعلامية، حتى اعلنت الولايات المتحدة قبولها الهزيمة العام 1975، ويومها أرسلت القيادة الفيتنامية الضابط في الجيش الشعبي، الضئيل الجسم، فونغوين جياب، ليملي شروط بلاده على الاميركيين.
قبلها كانت الثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي الذي استمر 132 عاما، وطوال العمل العسكري التزم الثوار الصمت حيال قادتهم، ولم نر أيا منهم يسعى الى الاعلام لجعل نفسه “أيقونة الثورة”، وفي هذا اذكر، انه اثناء زيارة وفد سياسي جزائري للكويت، وكانت إقامته في ضاحية عبدالله السالم حيث مقر وزارة الخارجية سابقا، واعتقد ان الاخضر الابراهيمي كان رئيسا للوفد، يومها كانت العلاقات الكويتية – العراقية متوترة، فسألت الابراهيمي عن موقفه منذ ذلك، فكان الجواب: “نحن أتينا الى الكويت من بغداد مباشرة، ولا يزال طعم التمر العراقي تحت لساني، وجئنا الى هنا لشرح قضيتنا، تماما كما فعلنا في بغداد (…) نحن لا نتدخل بالشؤون الداخلية للدول الشقيقة”.
الجزائر تحررت من الاحتلال الفرنسي، وفرضت ثورتها شروطها على شارل ديغول، صانع الجمهورية الخامسة، ومن ثم بدأنا نعرف قادة هذه الثورة العظيمة، أما فلسطينيا، فنحن عرفنا أصنافاً عدة من الجبهات والحركات والمنظمات، التي عملت، ولا تزال، وفقا لتوجهات الدول العربية.
هكذا فعلت مع السعودية ومصر والعراق والاردن الذي سعت في العام 1969 الى جعله وطنا بديلا، وحين فشلت انتقلت الى لبنان وعاثت فيه فسادا وقتلا وتدميرا، كما تحولت بعض الفصائل بنادق للايجار، مثل ابو نضال وجماعته، مرة تغتال وتفجر لمصلحة الاستخبارات العراقية، ومرات لمصلحة ليبيا أو غيرهما، وياسر عرفات الذي اصبح رئيسا للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وامين سر حركة “فتح” تنكر للكويت التي على أرضها ولدت حركته، ووقف مع صدام حسين في غزوه لها، بل شاركت بعض المنظمات في عمليات التنكيل بالكويتيين، فيما هناك اليوم من يقاتل الى جانب ايران، كحركة “حماس” التي تعمل على تجويع مليون فلسطيني تماشيا مع الجماعة الأم “الاخوان” وتتلقى تعلمياتها من خالد مشعل المقيم في افخم الفنادق القطرية، وتنفذ سياسة نظام الملالي.
ليس مستغربا ان تبقى تل أبيب على سياستها في تهويد فلسطين والاقصى، لأن من يقاتل عبر شاشات التلفزة من الفنادق الفخمة لن يحرر أرضا، فالأرض التي لا يحررها شعبها تتحول لقمة سائغة تسهل فيها الاستهانة بمصير الملايين طالما ان “رب البيت بطبل الانظمة والشعارت ضاربا”، ولهذا قانون يهودية الدولة العبرية لن يكون اكثر من نقطة في بحر تضييع الفلسطينيين أرضهم وحقوقهم، وهم بانتظار ان تحرر لهم الدول العربية بلادهم، ليعودوا من دول الشتات سياحً الى أرضهم

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.