قادة فلسطين أصل البلاء … ضيَّعوا الأرض وباعوا الشعب

0

أحمد عبد العزيز الجارالله

حين يتولى محامون فاشلون الدفاع عن أعدل قضية في العالم لا بد أن يخسروها، وهذا ينطبق على المسألة الفلسطينية التي كانت نخبها طوال القرن الماضي مسؤولة عن كل بلاء تعرض له شعبها، بدءاً من وعد بلفور والتعاطي معه بأسلوب الإنكار العربي، والانحياز الكامل للفريق الخاسر، أي الدولة العثمانية، حين اختار قادة فلسطين، وقتذاك، مناصبة القوى الكبرى المستجدة العداء، واستدراج المستعمر البريطاني الى ساحة القتال، عبر شن عمليات على جنوده، وعدم التواصل مع إدارته، واتهام كل من حاور بريطانياً بالعمالة والخيانة.
طوال الـ 37 عاما الفاصلة بين إعلان ذلك الوعد، وصدور قرار التقسيم، تعاطت القيادة الفلسطينية مع القضية بذهنية العنتريات العربية، والاغاني والاهازيج والشعارات، رافضة اي اتصال مع صانعي القرار الدولي يغير مجرى الاحداث، وكانت البداية في ذلك مع عمليات عسكرية شنتها جماعات يديرها الحاج امين الحسيني ضد البريطانيين، بدلا من التصدي للمستوطنين الجدد، ومنع العرب من بيع الاراضي الى الوكالة اليهودية، فيما تخلل ذلك ثورات عدة بين العامين 1929 و1936، ما كان يقدم للبريطانيين، المنتصرين في الحرب العالمية الاولى، المبررات كافة لزيادة دعمهم لليهود، وأدت تلك المواجهات الى الحكم بالإعدام على الحسيني الذي هرب الى العراق، وهناك راح يتدخل بشؤون تلك الدولة عبر التحريض على الثورة التي قادها رشيد عالي الكيلاني.
في تلك المرحلة لم تعمل النخبة الفلسطينية على التصدي للمشروع الصهيوني، انما تفرغت للتصدي للانكليز، وشارك كل من عبدالقادر الحسيني وعزالدين القسام بقيادة جماعات المجاهدين ضدهم، تاركين اليهود يبنون قواتهم وبنيتهم التحتية، بل كان هناك رجال أعمال وأثرياء فلسطينيون يتولون تنفيذ المشاريع الاستيطانية اليهودية.
في الحرب العالمية الثانية، اختار الفلسطينيون الجانب الخاسر ايضا، وكأنهم يكررون سيرتهم الاولى، فتحالف امين الحسيني مع هتلر، واثناء زيارته برلين في العام 1941 أدى التحية النازية له في استفزاز واضح للحلفاء، وبقي في ألمانيا حتى نهاية الحرب، ومنها كان يدير عملياته السياسية والعسكرية.
بعد الحرب، دخل محامون فاشلون نادي القيادات الفلسطينية، خصوصا حينما بدأت شهوة الانقلاب على السلطات الشرعية في الدول العربية تتزايد، ويتحول شعار”تحرير فلسطين” قميص عثمان لها، ففي مصر، استغل جمال عبدالناصر نكبة العام 1948 ليطلق، بالتحالف مع الاخوان المسلمين، حملة تخوين واتهام بالفساد ضد الملك والحكومة، واستطاع تهيئة الجو السياسي للقيام بحركته الانقلابية.
يومها اصطادت قيادة فلسطينية جديدة الفرصة، كان على رأسها احمد الشقيري المنتمي لحركة القوميين العرب، ذات الميول الماركسية، وأعلن شعاره المشهور، وهو”رمي اليهود في البحر”، وتبناه لاحقا عبدالناصر، ودعا الى الكفاح المسلح كسبيل وحيد لتحرير فلسطين، فيما لم يلتفت احد منهم الى قرار التقسيم المدعوم من الامم المتحدة، والذي كان يمكن ان يشكل نواة دولة فلسطينية حقيقية، تغير مسار الاحداث، وجاءت في أواخر خمسينات القرن الماضي حركة “فتح” وبعدها منظمة التحرير التي أسسها الشقيري لتصبح الاداة الفضلى في سوق التسويات العربية، خصوصا بالنسبة لما سمي “الانظمة الثورية”.
كانت سياسة الشقيري نسخة طبق الاصل عن سلفه الحسيني، وبقيت القضية تدار بذهنية الشعارات بدلا من استغلال الضفة الغربية وقطاع غزة في اعلان دولة حقيقية، وليس كما هو حاصل اليوم دولة غير قابلة للحياة.
شهوة السلطة واحتكارها تحت عنوان”التحرير” دفعت بمجموعة من القادة الى تشكيل حركات مسلحة، منهم ياسر عرفات الذي انقلب على الشقيري، وهذا فصل جديد في مرحلة اكثر سوءا مما سبق، وقد تجلت بعد نكسة العام 1967، واحتلال اسرائيل ما تبقى من فلسطين، اضافة الى سيناء والجولان، اذ يومها بدلا من التفرغ لمشروع التحرير بدأت الفصائل المسلحة تسعى الى بسط سلطتها على الاردن، الذي رأت فيه الوطن البديل، وعمدت حركة “فتح” و”الجبهة الشعبية” وغيرهما من الفصائل التي تأسست بين عامي 1958و1968 الى العمل على التوسع في الهيمنة عليه، فكانت المواجهات بينها وبين الجيش الاردني، خصوصا بعد خطف نحو خمس طائرات واحراقها في الصحراء الاردنية.
انتهت الحرب في الاردن الى اخراج المنظمات الى لبنان الذي تحول ساحة جديدة للعمل الفدائي، واشتهرت احدى مناطقه، في أقصى الجنوب، بـ”فتح لاند” حيث اقامت الفصائل قواعد لها، بينما حولت مخيمات اللاجئين بؤرا عسكرية، وبدأت سلسلة مواجهات مع الجيش اللبناني بين عامي 1969 و1973، وحين اندلعت الحرب اللبنانية في العام 1975 جعلت “منظمة التحرير” نفسها سلطة أمر واقع.
في كل هذه السنوات، غابت فلسطين عن أجندة الفصائل، بل رأى ياسر عرفات وجورج حبش ونايف حواتمة، وغيرهم من القادة، ان البندقية تجارة رابحة، وراحوا يبتزون الدول العربية، إما باستدرار العطف، مثلما حصل في الكويت حين كان يشعر الكويتي انه هو اللاجىء المغتصبة ارضه، ويتعاطف مع الفلسطينيين، ويدعمهم ماليا، واعلاميا، حتى جاء الغزو العراقي، وكشفت قيادة المنظمة عن وجهها بوقوفها الى جانب صدام حسين، ودعمه في تلك الجريمة النكراء، التي لا تغتفر.
وفي سبيل رؤيتها الجديدة للاستثمار بالدم ابتكرت سياحة الدم في العالم، فارتكبت جرائم قتل في ميونخ اثناء الالعاب الاولمبية، واحتجزت وزراء “اوبك” في النمسا، ونفذت اغتيالات في فرنسا وبريطانيا وتفجيرات واغتيالات في الكويت.
رغم كل هذا التاريخ الاسود سعت الدول العربية الى البحث عن مخرج من مأزق الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني، ودعمت بقوة المحادثات السرية التي أجراها ياسر عرفات في النرويج مع الاسرائيليين، على أمل أن ينهي ذلك عذاب الشعب المشتت والمشرد، بعد ان يقيم دولته على ارضه.
للأسف، ان اتفاق اوسلو الذي كان فرصة حقيقية، قوبل كغيره من المحاولات السلمية بجبهة رفض جديدة، وهذه المرة مدعومة من ايران، فكانت كل من حركتي “حماس”و”الجهاد الاسلامي” رأس حربة لإفشال الاتفاق تلبية للمصالح الايرانية، وبدأتا سلسلة هجمات عسكرية، ما دفع اسرائيل، ومن خلفها الولايات المتحدة الاميركية، الى التصلب في موقفهما.
اليوم، يتجه العالم الى تسوية نهائية في الشرق الاوسط، لكن للاسف، لن يكون للفلسطينيين اي حضور فيها، بل ربما لن يجلسوا الى طاولة المفاوضات، لأنهم تاريخيا كانوا اسوأ المحامين عن قضيتهم العادلة، وهم الذين يتسببون دائما بخسارتها.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

11 − عشرة =