قال لي المحبوب لما زرته مَن ببابي قلت بالباب أنا محبرة وقلم

0 11

مشعل عثمان السعيد

هذا البيت من الأبيات العجيبة، لانه بداية قصة بين محب ومحبوبه، يظهر من خلالها قوة هذا الشاعر، وتمكنه من الالفاظ، وهو سعد الشيرازي الذي يقول:
قال لي المحبوب لما زرته
من ببابي قلت بالباب أنا
قال لي اخطأت تعريف الهوى
حينما فرقت فيه بيننا
ومضى عام فلما جئته
اطرق الباب عليه موهنا
قال لي من أنت قلت انظر فما
ثم الا انت بالباب هنا
قال لي احسنت تعريف الهوى
وعرفت الحب فادخل يا أنا”
هذه الابيات ذكرتني بابيات شبيهة بها للحسين بن منصور الحلاج يقول فيها:
“أنا من أهوى ومن اهوى انا
نحن روحان حللنا بدنا
نحن مذ كنا على عهد الهوى
نضرب الامثال للناس بنا
فاذا ابصرتي ابصرته
واذا ابصرته ابصرتنا
ايها السائل عن قصتنا
لو ترانا لم تفرق بيننا
روحه روحي وروحي روحه
من رأى روحين حلت بدنا
ولا شك ان سعد الشيرازي ألم بأبيات الحلاج هذه لان الحلاج قتل العام 309 هـ والشيرازي توفي 678 هـ.
ومع ذلك فسعد الشيرازي يعد من مشاهير شعراء القرن السابع الهجري وهو صاحب الابيات الرائجة التي يقول فيها “صوت عربي”:
تعذر صمت الواجدين فصاحوا
ومن صاح وجدا ما عليه جناح
اسروا حديث العشق ما امكن الهوى
وان غلب الشوق الشديد فباحوا
سرى طيف من يجلو بطلعته الدجى
وسائر ليل المقبلين صباح
يطاف عليهم والخليون نوم
ويسقون من كأس المدامع راح
اصيح اشتياقا كلما ذكر الحمى
وغاية جهد المستهام صياح
ولابد من حي الحبيب زيارة
وان ركزت دون الحبيب رماح
يقولون لثم الغانيات محرم
اسفك دماء العاشقين مباح
وسعد الشيرازي ،او سعدي ،اختلف الرواة في اسمه واسم ابيه الا انه فارسي الاصل عربي النشأة، نسب الى مدينة شيراز لولادته بها سنة 606 هـ وقيل 589هـ، لقب بالشيخ، عرف بتصوفه وكان شافعيا طبقت شهرته الآفاق وهو القائل ايضا:
بكت عيني غداة البين دمعا
واخرى بالبكا بخلت علينا
فعاقبت التي بالدمع ضنت
بأن اغمضتها يوم التقينا
واسعدت التي بالدمع جادت
بان اقررتها بالوصل عينا
ويعتبر سعدي الشيرازي رمزا للانسانية، لذلك زين مدخل هيئة الامم المتحدة في نيويورك بأقواله الشهيرة:
أبناء آدم بعضهم من بعض
في اصلهم خلقوا من جوهر واحد
وكذلك قوله رحمه الله:
ان اصاب الدهر احد الاعضاء بألم
استجابت له باقي الاعضاء بالاضطراب
وايضا قوله:
ان كنت لا تبالي بمحن الاخرين
فأنت لا تستحق ان تكون ادميا
وله ديوانا شعر هما: بوستان وكلستان، الاول ديوان شعر نظم فارسي يروي خلاله حكايات بديعة سامية ترمي الى مدينة فاضلة شيدها العام 655 هـ وأهداها الى حاكم شيراز سعد الدين زنكي، والبوستان تعني البستان، اما الثاني “كلستان” فمعناه الروضة والحديقة، وهي مجموعة من الحكايات والقصص والمواعظ مزج الشيرازي فيها ما بين الشعر والنثر، والفارسية والعربية، وقد اتمها سنة 656 هـ واهداها ايضا الى سعد الدين زنكي، وتعتبر اهم واشهر اثاره، وقد ترجمت الى لغات عدة منها الفرنسية واللاتينية والالمانية والتركية والهندية والانكليزية سوى العربية.
ومن مواعظ سعدي الشيرازي قوله:
عيب علي وعدوان على الناس
اذا وعظت وقلبي جلمد قاس
رب اعف عني وهب لي ما بكيت اسى
اني على فرط ايام مضت اس
ومن الالقاب التي اشتهر بها: شاعر الانسانية، وذو اللسانين العربي والفارسي، وقد قال في رسول الله صلى الله عليه وسلم:
بلغ العلا بكماله
كشف الدجي بجماله
حسنت جميع خصاله
صلوا عليه وآله
وعندما اجتاح التتار بغداد وقتلوا الخليفة عبدالله المستعصم بالله، واسقطوا الخلافة العباسية، تأثر تأثرا كبيرا واشتد عليه الحزن لان بغداد حاضرة الاسلام، وبها تلقى دروسه وتعلم على شيوخها فقال في ذلك:
نسيم صبا بغداد بعد خرابها
تمنيت لو كانت تمر على قبري
لان هلاك النفس عند اولى النهى
احب لهم من عيش منقبض الصدر
زجرت طبيبا جس نبضي مداويا
اليك فما شكواي من مرض يبري
لزمت اصطبارا حيث كنت مفارقا
فهذا فراق لا يعالج بالصبر
تساءلني عما جرى يوم حصرهم
وذلك مما ليس يدخل في الحصر
اديرت كؤوس الموت حتى كأنه
رؤس الاسارى ترجحن من السكر
نوائب دهر ليتني مت قبلها
ولم ار عدوان السفيه على الحبر
محابر تبكى بعدهم بسوادها
وبعض قلوب الناس احلك من حبر
ايا ناصحى بالصبر دعنى وزفرتي
اموضع صبر والكبود على الجمر
تهدم شخصي من مداومة البكا
وينهدم الجرف الدوارس بالمخر
وقفت بعبادان ارقب دجلة
كمثل دم قان يسيل الى البحر
توفي سعدي الشيرازي مشرف الدين ابو محمد بن عبدالله في موطنه شيراز 694 هـ وقبره يزار الى اليوم.
اكتفي بهذا القدر.
جف القلم ونشفت المحبرة، في امان الله.

كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.