قبل أن تتلاشى! قراءة بين السطور

0 5

سعود السمكة

في ظل هذه الأجواء الاستثنائية وغير المسبوقة التي تعيشها المنطقة منذ سنوات، والتي يبدو أنها سوف تستمر بلا أفق يحدد لها نهاية، والتي تتطلب منا أقصى درجات الحذر وضبط النفس والبعد عن كل ما من شأنه أن ينعكس على وحدة المجتمع الكويتي، هذه الوحدة التي امتاز بها أهل الكويت على مدى القرون الماضية، مجتمعاً مدنياً متماسكاً بجميع مكوناته ومعتقداته وعقائده وأبعاده المجتمعية والمذهبية، لكن يبدو أن هناك من لا يريد لهذا المجتمع الأمن والأمان ولا للبلد الاستقرار، مستغلاً بذلك طبيعة النظام الديمقراطي وفلسفة الحكم اللينة والمتسامحة، حيث وجد أن بإمكانه أن يتمدد إلى أبعد من سعة النظام، وفوق ما تسمح به القوانين، فأخذ يتباهى ببعده الاجتماعي والطائفي ويتعالى بهما فوق الدولة وعلى نظامها ودستورها وقوانينها ورمزيتها كراعية للجميع، وأصبح يرى أنه الأسمى والأرفع مقاماً وسيادة من الدولة، أي أن قبيلته وطائفته هي الأولى، ومن ثمَّ يأتي الوطن ونظامه وقوانينه وسيادته.
إن مثل هذه الروحية، للأسف الشديد، لم تعد تتوقف عند حدود أزقة الشوارع وعلى ألسنة الرعاع غير المسؤولة، بل في جلسات وممارسات علنية تقوم بها سلطتا الحكم، وهما: مجلس الأمة والحكومة، حيث المفاضلات الخدمية والتعيينات في المناصب القيادية لم تعد تتم وفق معايير المنطق وعلى هدي الأنظمة والقوانين، بل أصبحت قائمة على المفاضلات الاجتماعية والطائفية
والحزبية، بعيدا عن المهارات والكفاءات والامتيازات التي تتقنها العناصر الاحترافية المبدعة، وأصبح العمل التشريعي والتنفيذي من قبل مجلس الأمة والحكومة قائماً على الاصطفافات القبلية والطائفية، بدلائل وإشارات تصدر من هاتين الجهتين تصريحاً وممارسة، فحين يعلن أحد النواب وفي جلسة علنية وأمام الملأ أنه سوف يقف مع الوزير الذي ينتمي إلى قبيلته، أي قبيلة النائب، في كل الأحوال، أي سواء أكان ظالما أم مظلوما، وفي حالة إن تمَّ طرح الثقة به فإنه سوف يقف مع أي استجواب ضد أي وزير ويوقِّع على طلب طرح الثقة “عمياني” من دون أن يقرأ محاور الاستجواب أو يسمع مرافعة الوزير وذاك النائب الذي يستجوب الوزير الفلاني، ليس على تقصير بل فزعة إلى طائفته، وذاك الوزير الذي يتصرف في الوزارة التي دفعتها الأقدار لتكون تحت رئاسته، وكأنما هي فرع من فروع شركة أبيه الذي خلَّفه، فيقيل ويُجمد ويرشح ويُعيِّن ويحب ويكره ويقرِّب ويُبعد، ليس احتكاماً لمنطق أو قانون لأجل الصالح العام، إنما فزعة لقبيلته أو طائفته أو لمصلحته الانتخابية دعته إلى ذلك، ثم نأتي نشتكي من انتشار ظاهرة العقوق للدولة وازدراء قوانينها وهيبتها وسيادتها والاصطفاف وراء القبيلة أو الطائفة أو الحزب!
إن الكويت، أيها السادة، لم تعد الكويت العادلة ذات القوانين التي تسري على الجميع، وهذا القول ليس من باب المبالغة أو تعمُّد النَّيْل من سمعة البلد، لا، حاشى لله، إنما من قلب موجوع عليها بسبب الممارسات الكارثية التي تمارسها السلطتان التشريعية والتنفيذية، على حد سواء، وهي ممارسات تصب باتجاه تكريس زرع بذور التباعد وبناء الحواجز وإعلاء النعرات وتشجيع الابتعاد عن الدولة، والانضواء والتمترس وراء القبيلة والطائفة باعتبارهما الملاذ الآمن اليوم بدل الدولة ومؤسساتها وأنظمتها وقوانينها، وهذا أمر لا يمكن أن يتَّسق في زمن استطاع فيه الإنسان أن يلغي السواتر والحواجز التي تباعد بين الإنسان والإنسان، حيث أصبح القانون هو المسطرة، وليس أي شيء آخر غيره، وأصبحت القبيلة فقط رمزية اجتماعية، ومثلها الطائفة كرمزية عقائدية تخص حاملها والمنتمي لها، ولا أثر لها على النظام العام، حيث النظام العام للدولة هو صاحب السيادة على الجميع، من هنا نقول: رأفة بالكويت حتى لا تتلاشى.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.