قراءة آية بتفكر وتفهم أفضل من ختمة بغير تدبر وتفهم مفاتيح النجاح بالحياة الدنيا والنجاة في الآخرة بتدبر آيات القرآن (13)

0

القاهرة: محمد إسماعيل

يقول الله تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)، ولقد اعتنى صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعهم على ذلك السلف الصالح من هذه الأمة، بالقرآن تدبرا وحفظا وفهما وعملا، وفي دراسة تحليلية متعمقة نتحدث عن معنى تدبر القرآن وأهميته وأسباب تحصيله وعلاماته وطريق الوصول إليه و ثمراته، ونعرض قصصا ومواقف لتدبر النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن، وكذلك الصحابة والتابعين، وأقوالا لمشاهير عن تدبر القرآن الكريم، وأنه الطريق إلى الحياة الطيبة والصلاح والشفاء من العلل والأمراض.

يقول الله تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)، ولقد اعتنى صحب رسول الله صلى الله علىه وسلم وتابعهم على ذلك السلف الصالح من هذه الأمة، بالقرآن تدبرا وحفظا وفهما وعملا، وفي دراسة تحليلية متعمقة نتحدث عن معنى تدبر القرآن وأهميته وأسباب تحصيله وعلاماته وطريق الوصول اليه وثمراته، ونعرض قصصا ومواقف لتدبر النبي صلى الله علىه وسلم للقرآن، وكذلك الصحابة والتابعين، وأقوالا لمشاهير عن تدبر القرآن الكريم، وأنه الطريق إلى الحياة الطيبة والشفاء من العلل والأمراض والصلاح.
يقول الدكتور عبدالله إبراهيم المغلاج في كتاب «تدبر القرآن الكريم وسائله وموانعه»: إن الله –تعالى- أنزل خاتم كتبه على خاتم رسله صلى الله علىه وسلم أنزله لنقرأَه تدبرا، ونتأمله تبصرا، ونسعد به تذكرا، ونَحمِلَه على أَحسن وُجوهه ومَعانيهِ، ونُصدّقَ به ونجتهدَ على إقامَة أوامره ونواهيهِ، ونجتَني ثمارَ علومهِ النّافعة المُوصِلةِ إلى اللَّه سبحانَه، وقد وصل به أقوام إلى رضي ربّهم، وكان سببا في تغيير حياتهم، وعلى رأس أولئك الصّحابة الكرام، الّذين تلَوه حقّ تلاوته؛ فنقلوه إلى ميادين التّطبيق العمليّ والسّلوك، وتعامَلوا معه على أنّه رسائل من ربّهم، فأسهروا به ليلهم، وجعلوه منهاج حياتهم، فكانوا خير أمّة أُخرجت للنّاس، ورضي الله عنهم ورضوا عنه. وهذا ما أخبر به الحسن بن علي رضي الله عنه مخاطباً من حوله: «إنّكم اتّخذتم قراءة القرآن مراحل، وجعلتم اللّيل جمَلاً، فأنتم تركبونه فتقطعون به مراحله، وإنّ من كان قبلكم رأوه رسائل من ربّهم، فكانوا يتدبّرونها باللّيل، وينفّذونها بالنهار».
كما أن النّبّي صلى الله علىه وسلم دعا بحاله ومقاله إلى التّدبّر، فقد أخبرت السّيّدةُ عائشةُ -رضي الله عنها – مَن سألهَا بأَعجَبِ شيء رَأته مِن رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قالَ: (يا عائِشَةُ ذَريني أَتَعَبَّدُ اللَّيْلَةَ لِرَبي)، قلتُ: واللَّهِ إنّي لأحب قربَكَ، وأُحِبُّ ما سَرَّكَ، قالَت: فَقامَ فَتَطَهَّرَ، ثُم قامَ يُصَلّي، قالَت: فَلَم يزَل يبكي حَتّى بَلَّ حِجرَهُ، قالَت: ثُم بَكى فَلَم يزَل يبكي حَتّى بَلَّ لحِيَتَهُ، قالَت: ثُم بَكى فَلَم يزَل يبكي حَتّي بَلَّ الأرض، فَجاء بِلالٌ يؤذِنُهُ بالصَّلاةِ، فَلَمّا رَآه يبكي، قالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، لِم تَبكي وَقَد غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ وَما تَأَخَّرَ؟، قالَ: (أَفَلا أَكون عبدا شكورا، لَقَدْ نزلَت عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ وَيْلٌ لِمَنْ قرَأَهَا وَلَمْ يتفكر فِيها: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ)، (سورة آل عمران الآية: 190).
وأنزل الله القرآن عربيا وأمر بقراءته وبتدبره، قال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، (سورة يوسف الآية:2)، فجعله عربيا بينًا؛ ليحصل لنا العقل والاهتداء بفهمه وتدبره، قال علي رضي الله عنه: «ألا أُنبئكم بالفقيه حق الفقيه؛ من لم يقنط النّاسَ من رحمةِ اللَّهِ، ولِم يُرَخص لَهم في مَعصية اللَّه، ولم يومنهم مكرَ اللَّهِ، ولِم يترُك القُرآنَ إلى غيره، ألا لَا خَير في عبادَةٍ ليس فيها تَفَقُّهٌ، ولا خَير في فِقهٍ ليس فيهِ تَفَهُّمٌ، ولا خَير في قراءة ليس فيها تَدَبرُّ».
ويؤكد ابن قيّم الجوزيّة في كتاب «مفتاح دار السّعادة»، أن التّدبّر لا يتوقّف على تلاوة القرآن الكريم، فالله –سبحانه- أمر عباده أن يتدبّروا آياته المتلوّة المسموعة، والمرئيّة المشهودة في صفحة الكون بما تكون تذكرة وعبرة، (لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)، (سورة ق الآية: 37)، والقلب هو العقل في قول الفراء. وقال غيره: «لمن كان له قلب أي: تَفَهُّمٌ وتَدَبُّر».
فالتّدبّر الأول تفكّر في الدّليل القرآنّي، والتّدبّر الثاّنّي تفكّر في الدّليل العياني؛ الأول كلامه والثاّنّي خلقه، ولا تعارض بينهما، بل بينهما انسجام تامّ يؤدّي إلى غاية التّفكّر والتّدبّر، «ولهذا أنزل الله القرآن ليتدبر ويتفكر فيه ويعمل به، لا لمجرد تلاوته مع الإعراض عنه، قال الحسن البصريّ: «أُنزل القرآن ليُعملَ به فاتخذوا تلاوته عملًا».
وجعل الله سبحانه لكلّ مطلوب مفتاحا يفتح به، وجعل مفتاح حياة القلب تدبّر القرآن والتّضرّع بالأسحار وترك الذّنوب، فلا شي أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتّدبّر والتفكّر، فإنهّ جامع لجميع منازل السّائرين وأحوال العاملين ومقامات العارفين وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله، وكذلك يزجر عن جميع الصّفات والأفعال المذمومة والتي بها فساد القلب وهلاكه. فلو علم النّاس ما في قراءة القرآن بالتّدبّر لاشتغلوا بها عن كلّ ما سواها، فإذا قرأه بتفكّر حتى مرّ بآية وهو محتاج اليها في شفاء قلبه كررها ولو مائة مرة ولو ليلة، فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب وأدعي إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن.
السعادة الحقيقية
ويذكر الدكتور عبدالله علي جوان في كتاب «التدبر مفهومه اكتسابه إشكالياته»، أن في تدبر القرآن وتفهمه من مزيد العلم والإيمان ما لا يحيط به بيان، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)، (سورة الانفال الآية: 2)، وقال: (وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)، (سورة التوبة الآية: 124).وحتى يحدث النجاح والفلاح فلا بد من أن يكون الهدف من وراء التّدبّر هو تحويل الآيات المتلوّة إلى عمل وتطبيق؛ لتتحقق السعادة الحقيقيّة من هذه التلاوة التّدبريّة، وهذا ما كان علىه السّلف الصّالح؛ ففي قول الله تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ)، (سورة البقرة الآية: 121)، قالَ: سَعيدٌ عن قَتادَة: «هم أصحاب رسول الله. أما تلاوتهم للقرآن حق تلاوته فهي التلاوة العملية، أي يتبعونه حق اتباعه، وروى مالِكٌ أَنَّه بلَغهُ أَنَّ عبدَ الله بنَ عُمَرَ مكَثَ عَلى سُورَةِ البَقَرَةِ، ثماني سِنينَ يتَعَلَّمُهَا وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: (دخلت علي امرأة وأنا أقرأ (سورة هود) فقالت: يا عبدالرحمن، هكذا تقرأ سورة هود! والله إنّي فيها منذ ستة أشهر وما فرَغتُ من قراءتها). وقد أنكر الحسن البصريّ على من يقرأ القرآن ولا يظهر أثر القرآن على سلوكه وتعامله، فقال: «والله ما تدبرُه بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إنّ أحدَهم ليقول قرأت القرآن كلّه، ما يُرى له القرآن في خلق ولا عمل».

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

إحدى عشر + اثنان =