قرار ترامب الغادر وتداعياته الوخيمة

خلف أحمد الحبتور

خلف أحمد الحبتور

في الغالب، جميع الحلفاء المقرّبين من الولايات المتحدة حذّروا الرئيس الأميركي دونالد ترامب من مغبّة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، منبّهين إياه الى التداعيات الخطيرة التي يمكن أن تترتب على الإقدام على مثل هذه الخطوة. فرنسا والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا، جميعها ناشدته إعادة النظر في قراره. ويُقال إن مسؤولين أميركيين كباراً يعترضون على قراره هذا. ويبدو وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون غير متحمّس البتّة للخطوة.
الأسبوع الماضي، صوّت 150 عضواً في الأمم المتحدة لصالح قرار يُدين المطالبة الإسرائيلية بضم القدس بكاملها؛ ستّ دول فقط صوّتت ضد القرار.
وخلص استطلاع آراء أجرته جامعة “مريلاند” أخيرا إلى أن 63 في المئة من الأميركيين يعارضون نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس.
البابا فرنسيس، وإمام الأزهر أحمد الطيب، ناشدا ترامب العدول عن خطوته، لكنه تحدّى المجتمع الدولي يوم الأربعاء، وسدّد طعنة في الظهر لأصدقاء بلاده من العرب، لا سيما السعودية والإمارات ومصر والأردن.
لقد رضخ أمام إسرائيل فيما يحاول تقديم نفسه في صورة صانِع السلام. ما فعله أشبه بطبيبٍ يقول لمريضه: «لا تقلق، ستكون قريباً بخير»، فيما يحقنه بسمٍّ قاتل.
هو يتعامل معنا وكأننا مغفّلون. ترامب وما يُسمّى بمبعوثيه الذين يموّلون ويدعمون المستوطنات اليهودية، وصهره جارد كوشنير، وجايسون غرينبلات، لا يمكنهم أبداً أن يكونوا وسطاء موضع ثقة. إنهم حفنة متزلفة لدى سلطة الاحتلال.
إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل مهين ومستهجن. لقد أغدق الثناء على إسرائيل واصفاً إياها بأنها «من أنجح الديمقراطيات في العالم» حيث «يتمتع اليهود والمسيحيون والمسلمون وأتباع الديانات المختلفة بحرية العيش والعبادة».
ماذا يقول الفلسطينيون الممنوعون من دخول المسجد الأقصى عند سماع هذا الكلام؟ ماذا تقول العائلات التي دُمِّرت منازلها وسُرِقت أراضيها؟
كانت الرسالة التي وجّهها إلى العرب أن يتعاملوا مع قراره «من خلال نقاش عقلاني، وليس عبر اللجوء إلى العنف»، وأن «يطردوا المتطرفين من وسطهم». ألا يدرك أنه ساهم في تأجيج التطرف عبر قضائه على كل الآمال بقيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس؟
حركة «حماس»، التي كانت منفتحة على المصالحة مع «فتح» ووافقت للمرة الاولى على قيام دولة فلسطينية ضمن حدود 1967، أعلنت رداً على إعلان ترامب أن هذا الأخير «فتح أبواب جهنّم».
سوف تستغل إيران و»حزب الله» هذا الخبر المروّع ويستخدمانه ذريعة لزيادة عدوانهما. قد يشنّ متشدّدون إسلاميون من مختلف الأطياف هجمات على المصالح الأميركية. يدرك ترامب ذلك، لهذا السبب وضعت “البنتاغون” قوات المارينز لحماية السفارات الأميركية في الشرق الأوسط.
أدعو الله تعالى ألا يتسبب ذلك بوقوع ضحايا، لكن في حال أريقت الدماء، فالمسؤول عن ذلك سيكون الرئيس الأميركي الذي ستتلطّخ يداه بالدماء. بالطبع، هو لن يقرّ أبداً بخطئه. سوف يتحدث عن أعمال عنف انتقامية لتبرير قرار حظر السفر المناهض في شكل أساسي للمسلمين، وتصريحاته المعادية للإسلام، وللذهاب أبعد في احتضانه لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي سارع إلى التعبير عن امتنان «الدولة اليهودية والشعب اليهودي» لما أقدم عليه ترامب من «خطوة سياسية شجاعة».
لقد داس ترامب على كل ما تبقّى من المصداقية الأميركية. فبدلاً من أن يقود بلاده نحو العظمة، حوّلها إلى دولة فاقدة لأهميتها ومكانتها على الساحة الدولية. لقد ضرب عرض الحائط بالسياسة الخارجية التي انتهجتها الولايات المتحدة على امتداد عقود من الزمن، ملمِّحاً إلى أن أسلافه «كانت تنقصهم الشجاعة». واستهزأ بالقيم الأميركية التي غالباً ما يجري التبجّح بها، عبر مباركته للاحتلال غير الشرعي لمدينةٍ تم وضع اليد عليها عن طريق معارك حربية.
بموجب القانون الدولي، لا يحق لأي بلدٍ أن يفرض سيطرته على أرضٍ استولى عليها بالقوة. فهذا يشكّل انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة، واتفاقية جنيف الرابعة، وعدد كبير من القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي.
تنص المادة 55 من قوانين الحرب على ما يأتي: «يجب اعتبار قوة الاحتلال مجرد جهة إدارية وحسب…». بناءً عليه، لا تملك إسرائيل أي حق قانوني بأن تتخذ من القدس عاصمة لها، وبالتالي ليس من حق الولايات المتحدة أيضاً اعتبار المدينة عاصمة لإسرائيل.
يستطيع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يقرأ الآن بكتاب نظيره الأمريكي ليدّعي أن الخطوة التي أقدمت عليها روسيا عبر ضم القرم كانت محقّة وعادلة أخلاقياً نظراً إلى «الوقائع على الأرض»، وهي العبارة التي استخدمها ترامب ليشرح الدافع وراء اعترافه بالقدس عاصمة للدولة اليهودية.
إذا اقتحم رجل مسلّح منزل شخص ما، وطرد مالكيه الشرعيين إلى الشارع، وأقام فيه مع زوجته وأولاده وكلبه الأليف، لن تُجيز أي محكمة هذه السرقة الموصوفة بحجّة أن نعال اللص الموجودة تحت السرير تفرض واقعاً جديداً.
السؤال الأساسي الذي تصعب الإجابة عنه، والذي يفرض نفسه: ما الذي جعل ترامب يشعر أنه مضطر إلى الإقدام على مثل هذه الخطوة المثيرة جداً للجدل والتي يعتبر كثرٌ أنها تنمّ عن حماقة شديدة؟ لا يزال الخبراء والمحللون الذين يطلّون عبر شاشات التلفزة يفكرون ملياً، جاهدين لمحاولة الإجابة عن هذا السؤال.
قال ترامب إن الخطوة جيدة لأميركا، إنما لم يشرح كيف ذلك. ليس لديه ما يشرحه في هذا الإطار لأن الخطوة ليست جيدة لبلاده.
الحقيقة هي أن المستفيد الوحيد هو الرئيس نفسه الذي وجد صعوبة في حمل الكونغرس على إقرار مشاريع القوانين التي تقدّم بها، إنما بات بإمكانه الآن أن يؤكّد أنه وفى بالوعود التي قطعها خلال حملته الانتخابية.
بإمكان ترامب أن يهنّئ نفسه أيضاً لأنه رضخ تماماً لمطالب داعمَيه الأثرياء، رئيس المؤتمر اليهودي العالمي، رونالد لودر، وصديق نتنياهو، شلدون آشلي، الذي يقول عن الفلسطينيين إنهم «شعب مختلَق».
وقد وفى بتعهّداته للصهاينة الإنجيليين المسيحيين الذين يشكّلون شريحة كبيرة من قاعدته الشعبية. باختصار، هدفه الوحيد هو ترسيخ شعبيته في أوساط الناخبين الذين ساهمت أصواتهم في وصوله إلى البيت الأبيض.
غدا تعقد جامعة الدول العربية اجتماعاً طارئاً، ومن المقرر أن تعقد منظمة التعاون الإسلامي اجتماعاً يوم الأربعاء المقبل في اسطنبول. من الضروري أن تتكلم الدول العربية والإسلامية بصوتٍ واحد، ليس هذا فقط، بل يجب أن تتّفق أيضاً على اتخاذ تدابير مجدية وفعالة، ووضع ستراتيجيات مشتركة.
مما لا شك فيه على الإطلاق أن دونالد ترامب هو أسوأ رئيس في تاريخ الولايات المتحدة. فهو ليس مصدر إحراج فقط، إنما أيضاً شخصية عدوانية خطيرة تدفع بعالمنا نحو الهلاك الوشيك. يجب أن يرحل. إذا كانت الاحتجاجات العامة غير قادرة على الإطاحة به، وإذا لم يكن الكونغرس الجمهوري يتحلّى بالشجاعة لعزله، لعل المفتاح هو في يد المحقّق الخاص روبرت مولر المكلَّف النظر في مزاعم تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية الأميركية.

رجل أعمال اماراتي