قصص إسلامية

قصة من قرية سدير في نجد قصص إسلامية

وقعت أحداثها منذ ثمانين عاماً، يقول الراوي الأستاذ حمد السنيد، سدير كانت قرية صغيرة ليس بها سوى مسجد واحد، وكان بالقرب من المسجد مزرعة فيها شاب طائش غير متزن، هذا الشاب أشغل المصلين وأهل القرية بغنائه الذي لا ينقطع لا ليلاً ولا نهاراً، خصوصاً انه لا يحلو له الغناء إلا وقت الأذان، أو عندما يقرأ الإمام، كان صوته عذباً جميلاً، استدعاه وجهاء القرية وزجروه، فلم يرتدع، فرفعوا أمره لأمير القرية “العمدة”، فأحضره وجلده وأخذ عليه تعهداً، فلم يزده ذلك إلا عناداً، فقرر وجهاء القرية رفع أمره إلى القاضي “العنقري” المقيم في مدينة المجمعة، كتبوا خطاباً له، وذكروا له اسمه كاملاً، وقد استقر رأيهم ان يكون الشاب هو الذي يحمل الخطاب إلى القاضي، من غير أن يعرف فحوى الرسالة، وقد ذكروا للقاضي بأنهم يخشون أن يفتن البعض بجمال صوته، وبأنهم حاولوا معه بشتى الطرق ان يرتدع، فلم يفلحوا، ويريدون من القاضي ان يتخذ معه الإجراء المناسب لزجره، استدعوا الشاب، وطلبوا منه ان يسافر الى المجمعة، ويسلم الشيخ العنقري الخطاب، وأن يعرفه بنفسه، وينتظر الجواب، فرح الشاب بهذه المهمة خصوصاً أنهم وعدوه بأجر مجزٍ، وانطلق حتى وصل إلى المجمعة، وسأل عن بيت القاضي، فدلوه عليه، ودخل عليه بعد صلاة العشاء، وسلم عليه، وسلمه الخطاب، وعرفه بنفسه، وقال له: أريد أن تعطني الرد لأن جماعتي ينتظرونه، فرد عليه الشيخ العنقري قائلاً: أنت جئت من مكان بعيد، وأكيد انك جائع، تعش ويصير خير يا ولدي، وأحضر له ما تيسر من طعام، فتح القاضي الخطاب، وقرأه، ثم أعاد قراءته أكثر من مرة، ثم التفت إلـى الشاب وقال له: أتدري ما في الكتاب يا ولدي؟ أجابه الشاب: لا والله يا شيخ، أنا لا أعرف القراءة والكتابة، فقال الشيخ: لكن تعرف أن تؤذن؟ قال الشاب: أجل، ولله الحمد، قال الشيخ: أسمعني لكي أتأكد، فرفع الشاب الأذان بصوت عذب جميل، فقال له الشيخ: اسمع يا ولدي، جماعتك مرسلين لي يريدون أن أوافق على تعيينك مؤذناً لمسجدهم، فهل توافق؟ رد الشاب بسرعة: نعم يا شيخ موافق من الآن، فأصدر الشيخ العنقري قراره بتعيين الشاب مؤذناً لمسجدهم بخطاب، وطلب منهم أن يتابعوه ويرفعوا عنه إذا ما أخل أو قصر بتنفيذ ما أوكل إليه وسلم الخطاب للشاب، فوجئ أهل القرية بقرار القاضي، لكنهم لم يجدوا بداً من تنفيذ ما أمر به، ومن حسن حظ الشاب أن مؤذن المسجد شيخ كبير يصعب عليه الصعود إلى أعلى المنارة ليرفع الأذان، ويكتفي بالأذان فوق السطح، وهذا لا يوصل الأذان بعيداً، والشاب يستطيع ذلك، باشر الشاب عمله مؤذناً، واستمر في هذه المهنة المباركة حتى توفاه الله بعد خمسين عاماً، رحمه الله تعالى، ورحم الله الشيخ القاضي العنقري، فقد أتاه الله الحكمة والرأي السديد والفكرة الموفقة.

إمام وخطيب
محمد الفوزان