قصرٌ يحكي قصةً وعبرةً محبرة وقلم

0 6

مشعل عثمان السعيد

القصر بناء شاهق جميل، يبنيه الملوك والأمراء والرؤساء والزعماء للإقامة به، وربما لاستقبال كبار ضيوفهم، وعادة ما يتفننون في بناء هذه القصور خصوصا في العصور القديمة، وغالباً ما تكون القصور شاهدة على عصور مضت ورجال كان لهم عز وجاه وقوة، أصبحوا لا ترى إلا آثارهم، وقد بنا المناذرة ملوك الحيرة قصوراً ليس لها نظيرفي الدنيا مثل: الخورنق والسدير وبارق، ثم باد ملكهم وصاروا أحاديث وفي ذلك يقول الأسود بن يعفر النهشلي التميمي أبياته التالية التي تعد من فخر الشعر العربي على الاطلاق:
جرت الرياح على محل ديارهم
فكأنما كانوا على ميعاد
أهل الخورنق والسدير وبارق
والقصر ذي الشرفات من سنداد
فأرى النعيم وكل ما يلهي به
يوما يصير الى بلى ونفاد.
ولما دخل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب المدائن نظر الى أيوان كسرى امبراطور فارس، وقد تهدم ولم يبق منه إلا آثارة فتلا قول الله تعالى “كم تركوا من جنات وعيون، وزروع ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين، كذلك وأورثناها قوما آخرين” “الدخان 25-28”.
ومن القصور التي لها قصة عجيبة، قصر الأمير العباس بن عمرو الغنوي، وهو من كبار القادة في خلافة المعتضد بالله العباسي أحمد وأبناؤه المكتفي بالله علي والمقتدر بالله جعفر، بنى هذا القائد قصراً في غاية الاتقان والجمال، يخطف الابصار ويبهر الناظر اليه، يطل هذا القصر على بساتين وأنهار، ذكر القزويني ان قصر العباس هذا يقع في مدينة سنجار قرب الموصل ونيصبين وقال انه عجيب العمارة، ثم مات باني هذا القصر وسكن القصر بعده ملوك ثم مات هؤلاء وظل القصر مكاناً شاهداً على من سكن فيه، روى عمران بن شاهين انه نزل بهذا القصر بصحبة الأمير بهاء الدولة وحسام الدولة قرواش بن المقلد بن المنيع العامري وأخذا يتجولان بالقصر حتى نظر بهاء الدولة “صاحب الموصل” الى جدار من جدران القصر مكتوب عليه بخط واضح:
يا قصر عباس بن عمرو
كيف فارقك ابن عمرك
قد كنت تغتال الملوك
فكيف غالك ريب دهرك
واها لكاتبها الكريم
وقدره الموفي بقدرك.
واذ تحت أبيات الشعر مكتوب: كتبه علي بن عبدالله بن حمدان سنة 331هـ، وهذا الرجل هو الأمير المشهور سيف الدولة، ممدوح المتنبي الشاعر، ويكمل عمران بن شاهين روايته فيقول: ثم نظر بهاء الدولة فاذا تحت أبيات سيف الدولة مكتوب:
يا قصر ضعضعك الزمان
فحط من علياء قدرك
ومحا محاسن أسطر
شرفت بهن متون جدرك
واها لعزك بل لجودك
بل لمجدك بل لفخرك.
واذ مكتوب تحت هذه الأبيات: كتبه الغضفر بن عبدالله بن حمدان بن حمدون سنة 362هـ وهذا ناصر الدولة ابن اخي سيف الدولة ثم نظر فاذا تحت هذه الأبيات مكتوب:
يا قصر ما فعل الأولى
ضربوا قبابهم بعقرك؟
اخنى الزمان عليهم
وطواهم بطويل نشرك
واها لقاصر عمر من
يختال فيك وطول عمرك.
ومكتوب تحت هذه الأبيات: كتبه المقلد بن المسيب سنة 383هـ وهو ابو قرواش المقلد بن المسيب، فكتب الأمير المتأمل للجدار تحت هذه الأبيات:
يا قصر اين ثوى الكرام
الساكنون قديم عصرك
ولقد اطال تفجعي
يابن المسيب رقم سطرك
وعلمت اني لاحق بك
تابع في صوب اثرك.
وكتب قرواش بن المقلد بن المسيب سنة 401هـ، اما صاحب القصر: العباس عمرو الغنوي، فمن عجائب سيرته انه قاتل ابي سعيد الجنابي قائد القرامطة بجيش كبير فهزمه القرامطة وقتلوا جيشه كله وأسروه ثم اطلقوه بعد ذلك وكان ذلك سنة سبع وثمانين ومائتين في خلافة المعتضد بالله، اما المعتضد بالله فهو الخليفة العباسي السادس عشر واسمه احمد ولقب بالسفاح الثاني لصرامته ولم يكن ابوه ابواحمد الموفق خليفة وانما كان ولي عهد اخيه ابوالعباس احمد المعتمد على الله، أما المعتضد فهو اسد بني العباس احيا دار الخلافة العباسية وثبت اركانها وأعاد هيبة الخلافة بقوة، وبويع له ليلة وفاة عمه المعتمد عام 279هـ، اما بالنسبة له فهو ابوالعباس احمد بن طلحة الموفق بالله بن جعفر المتوكل على الله بن محمد المعتصم بالله بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبدالله المنصور بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب تولى الخلافة وهو ابن 37 عاماً واستمر خليفة حتى وفاته عام 289هـ وعمره 48 عاما، وفيه يقول ابن الرومي الشاعر:
هنيئا بني العباس ان امامكم
إمام الهدى والبأس والجود أحمد
كما بأبي العباس انشىء ملككم
كذا بأبي العباس ملك تجدد.
جف القلم ونشفت المحبرة… في أمان الله.
كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.