حوارات

قصر النظر لا يحل المشكلات الاجتماعية حوارات

د. خالد عايد الجنفاوي

يوجد مرض يُطلق عليه قصر النظر (Myopia) ويتمثل في صعوبة رؤية الأشياء البعيدة، وتركز البصر في الأشياء القريبة، ويقابل قصر النظر قصر التفكير, أي عدم قدرة أحدهم على رؤية السياقات العامة للقضايا والظواهر المختلفة التي تحدث في المجتمع والتركيز بدلاً من ذلك على الأمور القريبة أو التفسيرات الخزعبلاتية السهلة, كإرجاع بعض المشكلات الاجتماعية لأسباب لا علاقة لها بها من قريب أو من بعيد.
ويقابل قصر النظر طول النظر أو بعد مداه حيث يستطيع أحدهم رؤية الأشياء البعيدة, لكنه يعجز عن رؤية ما هو تحت قدميه، ويُصبح مرض قصر النظر مشكلة حقيقية لدى البعض عندما يعجزون عن رؤية ما هو خارج نطاق أنفسهم فيرون ما هو بعيد بشكل مشوش وضبابي ويخطئون التعامل معه ويعجزون عن استيعاب الدروس ويفشل بعضهم في الاستفادة من تجاربهم أو تجارب الآخرين بسبب قصر نظرهم وضيقه, وربما بسبب انشغالهم بتوافه الأمور وإهمالهم لما هو مهم.
ستتحول قضية قصر النظر إلى ظاهرة ثقافية واجتماعية كارثية إذا بدأ يمارسها بعض المتعلمين والمتنورين والمثقفين, أو أولئك الذين يزعمون أداء تلك الأدوار الحضارية في مجتمعهم، فمن يصر على التركيز على توافه الأمور ويتجاهل السياقات والمسببات العامة لبعض المشكلات الاجتماعية والثقافية يعجز عن الاستفادة من أخطائه, ولا ينتفع من تجاربه السابقة، ولهذا السبب يصاب هذا النفر بقصر النظر ويظهر ذلك في طرق وأساليب تفسيرهم لقضايا مجتمعهم وضبابية تفكيرهم وإرجاعهم الظواهر السلبية لشخصيات الأفراد المعنيين بدلاً من التركيز على تفسير ما يدفع البعض لسلوكيات وتصرفات تتعارض مع الأخلاقيات العامة في المجتمع.
يشابه قصر النظر في التعامل مع المشكلات الاجتماعية بشكل يتنافى مع المنطق والعلم التفكير القطبي حين يصر البعض على ممارسة التفكير الاحادي والقطبي، فبالنسبة لهؤلاء: الأمر إما أسود واما أبيض، وما دون أو بعد ذلك ليس صحيحاً! لا يمتلك أصحاب التفكير القطبي القدرة على التوصل لاستنتاجات ذهنية صحيحة، فيحدث أحيانا أن قصير النظر هو نفسه من يتسبب في إثارة النعرات والتعصب الضيق في بيئته الاجتماعية بسبب إصراره على حشر أنفه في ما لا يخصه أو بسبب إصراره على تأويل مشكلات المجتمع وفق تفسيرات عفى عليها الزمن.
من يريد المساهمة في إيجاد حلول لبعض المشكلات الاجتماعية الطارئة جدير به الاستعانة بطرق تفكير تتوافق مع ما يحدث حالياً من تطورات هائلة في حقول العلوم النفسية والاجتماعية.

كاتب كويتي
@aljenfawi1969