قصيدة النثر… وجه تونس المطل من القاهرة ملابسات شعرية ونقدية وتاريخية

0

القاهرة – شريف حمودة:
تفيد الأنطولوجيات الشعرية كثيرًا في الإلمام بظواهر أو تيارات أو أنماط شعرية تشترك فيما بينها في أمر معين أو أمور عدة كأن تقدم الأنطولوجيا مثلًا تجارب نسوية أو تقترح تمثيلًا لقصيدة النثر التي يكتبها شعراء من أجيال مختلفة، يجمعهم بلد أو منطقة أو لغة، بحسب توجه الأنطولوجيا وموضوعها.في هذا الإطار، صدرت خلال الفترة الماضية أكثر من أنطولوجيا لقصيدة النثر العربية، بعضها تضمن تجارب شعراء من دول مختلفة في كتاب واحد، في حين تعاملت أنطولوجيات أخرى مع شعراء دولة بعينها دون غيرها، وإلى هذا النمط الثاني تنتمي إصدارات مؤتمر قصيدة النثر بالقاهرة، الذي انعقدت أربع دورات متتالية منه بدءًا من العام 2014، وتقام فعالياته “السنوية” بجهود أهلية، ويستضيفها ملتقى الفنانين والمثقفين ” أتيليه القاهرة”.
اضطلعت الهيئة المصرية العامة للكتاب، إحدى مؤسسات وزارة الثقافة المصرية، وفق بروتوكول مع إدارة مؤتمر قصيدة النثر، بمسؤولية نشر الأنطولوجيات الشعرية الخاصة بالمؤتمر، وصدرت بالفعل أكثر من أنطولوجيا في هذا السياق، منها “ينابيع تصنع نهرًا.. أنطولوجيا قصيدة النثر المصرية”، التي تضمنت تجارب شعراء مصريين يكتبون قصيدة النثر.
أما أحدث وآخر الإصدارات، في أواخر العام 2017، فبعنوان “قصائد تضيء الطريق من تونس إلى القاهرة.. أنطولوجيا قصيدة النثر في تونس”.
ورغم أن الأنطولوجيا التونسية جاءت من إعداد شاعرة هي ماجدة الظاهري، وتقديم شاعر وباحث هو عبد المجيد يوسف، وكلاهما من قلب حركة قصيدة النثر المعاصرة في تونس، فإنها أثارت الجدل داخل وخارج تونس، من حيث الاختيارات التي رآها البعض لا تمثل جميع وجوه وتيارات وأجيال قصيدة النثر بتونس، في حين انتقد آخرون وجود أصوات شعرية بالأنطولوجيا لا تعبر عن قصيدة النثر كاتجاه، أو ذات مستويات لا ترقى للمأمول.
استغرقت “أنطولوجيا قصيدة النثر في تونس” مائة وثمانين صفحة، وتتضمن قصائد لسبعة وأربعين شاعرًا وشاعرة، من شعراء تونس المعاصرين، منهم: حبيب الهمامي، مراد بن منصور، أحمد السلطاني، رياض الشرايطي، ريم قمري، بسمة الحذيري، جمال الجلاصي، الحبيب المرموشي، ضحى بوترعة، عبد الله القاسمي، آمال جبارة، أيمن دغسني، فوزية العكرمي، ناظم بن إبراهيم، هدى الدغاري، نزيهة الجديد، فتحي ساسي، آسيا الشارني، عائشة الخضراوي، مها عزوز، وآخرون.تأتي انتقاءات الأنطولوجيا وفق جهد تونسي حر، إذ لم يتدخل الجانب المصري (مؤتمر قصيدة النثر المصرية، الهيئة المصرية العامة للكتاب) بأي شكل في الموسوعة، كما ورد على غلافها الخلفي، ويراد لهذا العمل وفق مُعدّيه وناشريه أن يكون بمثابة باب، تطل منه، على صغره، دولة لها إسهاماتها الكبيرة في الثقافة والفكر والإبداع، وأن يضيف إلى الثقافتين المصرية والتونسية، ومعهما العربية، التي تعاني من هجمة رجعية عنيفة.
في تقديمه للقصائد التي تتضمنها “أنطولوجيا قصيدة النثر في تونس”، يعرج الشاعر والباحث التونسي عبد المجيد يوسف على العديد من الملابسات الشعرية والنقدية والتاريخية التي أحاطت بقصيدة النثر التونسية ونشأتها.ويشير يوسف إلى أن الحديث عن تأريخ ظاهرة أدبية لا تنطبق عليه صرامة التأريخ للوقائع ووثوقية الرواية فيه، فالتحولات الأدبية في مجتمع ما ليست حدثًا موضعيًّا يتنزل في التاريخ بشكل محدد متفق عليه، لكنها تراكم لعدد كبير من المقدمات، وتضافر خفي لسلسلة من الأحداث الصغيرة، التي لا يُنتبه لها إلا قليلًا، كنزول قصيد في مجلة أو بيان قيل في مناسبة، ولذلك فإن كتابة التاريخ الأدبي تبقى رهينة للقراءة الشخصية لجملة من الوقائع والتأويل الخاصة لعدد من المؤثرات.
ولا يفسر عبد المجيد يوسف المنهج الذي يحكم انتقاءات “أنطولوجيا قصيدة النثر في تونس”، والمعايير الفنية التي تنسحب على القصائد المدرجة بالأنطولوجيا دون غيرها، لكنه يعمد إلى فضاء التاريخ لتوضيح جذور قصيدة النثر التونسية، والعوامل المختلفة التي أثرت على نشوئها وتطورها، وصولًا إلى القصائد الحديثة المختارة.
ومما توصل إليه الباحث أن قصيدة النثر بتونس قد عانت صعوبة جمة في تخلقها في أعقاب انتكاسة 1967، نتيجة للظروف السائدة من عوامل إيديولوجية متشابكة، ونتيجة لتسييس الساحة الأدبية التونسية، واضطلاعها بمسؤوليتها التاريخية في صلب المجتمع المحلي وفي صلب المجموعة القومية، ولميل الشعراء إلى التأدلج بالفكر الاشتراكي أو القومي، ما يرجح كفة الشعر الملتزم في تلك الفترة ويبرر غلبته.
ويشير عبد المجيد إلى أنه في هذا الإطار من الملابسات المتنوعة، تتجلى مقدمات ثقافية فكرية من مشارب مختلفة، وأحداث سياسية محلية وخارجية تزامنت وتفاوتت في التأثير، ويعتقد بعض مؤرخي الأدب ممن يميلون إلى نكران الخصوصية التونسية ويسعون إلى دمج التحولات الأدبية التونسية في إطار أشمل من سيرورة الأدب العربي، أن قصيدة النثر التونسية نشأت بتأثير من نظيرتها المشرقية التي هي بدورها ظهرت في إطار من المرجعيات الأجنبية والمراجعات العالمية لمفهوم الشعر ووظيفته.
لكن الباحث عبد المجيد يوسف، رغم عدم إنكاره التأثير العربي والعالمي، فإنه لا يغفل المؤثرات المحلية الصرف في نشأة وتطور قصيدة النثر التونسية على أيدي الطليعيين التوانسة ممكن كتبوا قصيدة النثر وأيضًا شعر العامية التونسي في أعقاب هزيمة 1967.
وقد كان لهؤلاء الشعراء التونسيين الجدد، ومعظمهم طلاب ينتمون إلى الجامعة وإلى الفكر اليساري آنذاك، مفهومهم الخاص للكتابة الشعرية وطبيعة القصيدة.
ولفترة محدودة، بقيت قصيدة النثر، ذات البعد الإنساني الصرف، ترفًا فكريًّا اعتنى به الشعراء لما فُضّت قضايا كبرى عالقة من قبيل: انقضاء التجربة الاشتراكية منذ 1969، وانخراط البلاد في نمط إنتاج رأسمالي، أو لما خف الانتماء الاشتراكي بفعل الملاحقات والاضطهاد، فيما ظلت فئة من الشعراء مناضلة في النقابات، وكان لهذه الفئات إنتاجها المتوسل بأشكال غير قصيدة النثر، التي وجدت طريقها بقوة لاحقًا على أيدي أجيال أعطوا لقصيدة النثر حقها.
تتجلى ملامح وجه تونس في “أنطولوجيا قصيدة النثر”، بوصفها موسوعة مخصصة للشعر التونسي وحده، في إطار قصيدة النثر العربية. فعلى المستوى الريادي، تتضمن الأنطولوجيا إحالات إلى الشعراء التونسيين المؤسسين، ومنهم: محمد أحمد القابسي، سوف عبيد، عزوز الجملي، وهؤلاء الشعراء، وفق مقدمة الموسوعة، لم يجمعهم تنظيم، ولم تربط بينهم آصرة، فكان كل منهم يكتب بمعزل، ويقرأ بعضهم بعضًا عن بعد، خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين.
لم يغب “الوطن” عن تجربة محمد أحمد القابسي، صاحب القصائد النثرية اللافتة في مجموعتيه “البحر في كأس” و”كتاب العناصر” في أواخر السبعينيات، وقد ظهر الوجه التونسي الشاحب في زمن الانكسار عاريًا من النبرة الخطابية والطنطنة الموسيقية مثلما كان سائدًا في القصائد الوطنية في ذلك الوقت لدى شعراء المد القومي والرومانسيين الجدد وغيرهم من ناظمي الشعر العمودي وقصيدة التفعيلة.
في قصيدة النثر الجديدة، يمكن للشاعر أن يرسم وجه الوطن من خلال لقطات حياتية عادية، ومشاهدات يومية تختصر بأقل الكلمات خرائط شاسعة.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

ثلاثة عشر − 5 =