قطر … جفت الصحف ورفعت الأقلام

“جَزَى اللهُ الشَّدَائِدَ كُلَّ خَيْرٍ عَرَفْتُ بِهَا عَدُوِّي مِنْ صَدِيقِي” فطوال 20 عاماً او يزيد، ودول الخليج وبعض الدول العربية المتضررة من العبث السياسي القطري ملتزمة الصمت وتعمل على دفع الأذى باللين والديبلوماسية، فيما الدوحة جعلت من قناة “الجزيرة” سيف ابتزاز مصلت على هذه الدول، لا سيما في”مجلس التعاون”، فلم تسلم السعودية ولا الكويت او البحرين والإمارات من التجني الاعلامي والدسائس التي تبثها تلك القناة، ويترافق ذلك مع تدخلات سياسية من مؤسسات قطرية رسمية في الشؤون الداخلية للسعودية والبحرين والإمارات ودول الخليج الأخرى.
ربما تكون الطفرة المالية قد جعلت الإدارة القطرية تتوهم أنها قادرة على حكم العالم، فاعتمدت على المال لايجاد دور لها، لكنها لم تدرك ان الاحلام أكبر من القدرات، وتناست الضرورات الجغرافية والديموغرافية والقدرات الاخرى للدول، وتوهمت ايضا ان اللين الذي يواجهون به هو ضعف، غير عارفين ان مهما اغدقوا من أموال لن يستطعيوا جعل قطر امبراطورية عثمانية والدوحة استانة القرن الواحد والعشرين، أكان على مستوى “مجلس التعاون” أو حتى عربيا.
في هذا الشأن تحتاج تلك الإدارة إلى درس في الجغرافيا، لتقارن بين مساحة قطر ومساحة المملكة العربية السعودية البالغة نحو 2.15 مليون كيلومتر مربع، وثرواتها وقدراتها المالية والاقتصادية وتعداد السكان الذي يفوق عدد سكانها أضعافاً، كما ان الله عز وجل خصها بالحرمين الشريفين اقدس بقاع الأرض لدى مليار واربعمئة مليون مسلم يتوافدون إليها عملا بقول الله سبحانه :”وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ”.
فيما الإمارات بمساحتها الشاسعة والتي تتنافس اماراتها السبع على التقدم والتطور بروح وحدوية قل نظيرها في التاريخ العربي لن تكون في يوم من الأيام محافظة تابعة للامبراطورية القطرية التي مساحتها لا تتعدى 12 الف كيلومتر مربع.
أما البحرين الاضعف في الحلقة، وفقا للاعتقاد القطري، فقد استطاعت التصدي طوال السنوات الماضية للعدوان الإيراني والعنت القطري بصلابة ودحرت الاول ولجمت الثاني.
تبقى مصر التي تناصبها قطر العداء لأن شعبها ثار على حكم مكتب الاوغاد الإخواني الذي ترعى الدوحة جماعته، اذ لا احد في العالم العربي ينسى دورها التاريخي، اكان بالنسبة لقطر ذاتها او لبقية العالم العربي حيث تحملت هذه الدولة الكبرى مسؤولية الدفاع عن قضايا الامة وتكبدت الخسائر في هذا الشأن منذ بداية تصديها للدولة العثمانية حتى يومنا هذا.
مصر هذه كان آخر مواقفها المشرفة تأديتها الأمانة إلى المملكة العربية السعودية باعادة جزيرتي تيران وصنافير، وفيما اجمع على أحقية السعودية في ذلك جميع قادة ومحامي ونواب مصر ونسبة كبيرة من شعبها نصبت “جزيرة” استانة الدوحة “صيوان عزء وندب” وشنت حملة شعواء على مصر والمصريين كافة متهمة قيادتها بالخيانة العظمى في تدخل سافر بشأن مصري- سعودي لا علاقة لقطر فيه من قريب اوبعيد، لكن لأن الفتنة تريد ذلك فقد أخذت تصب الزيت على النار والدخان لن يعمي الا عيون موقدها، بينما مصر بقيت الكبيرة التي لا تهضم حقوق الآخرين وترد الأمانات الى اصحابها مثبتة مجددا ان لا اطماع خارجية لها.
ولهذا حين نعود إلى القول”جَزَى اللهُ الشَّدَائِدَ كُلَّ خَيْرٍ عَرَفْتُ بِهَا عَدُوِّي مِنْ صَدِيقِي” فلأن تلك الشدائد هي التي جعلت السعودية والإمارات والبحرين تكشف العبث الذي تمارسه قطر، وتدفع بالدول الأخرى، أكان في الاقليم أو بقية العالم، لتعلن مواقفها صراحة وتكشف، ايضا، عما تعرضت له في السابق وتتعرض له حاليا من ممارسات عدوانية قطرية.
لماذا فعلت قطر كل هذا، لماذا فعلت ما فعلته في البحرين والسعودية وغيرها، وما خططت له في الإمارات؟ وهل يعتقد مسؤولوها ان جواب المتذاكين لديهم على هذه الأسئلة بالقول:” هاتوا برهانكم” سيكون مقنعا للعالم؟
ها هي البراهين تعلن تباعا، وربما تعرض في المحافل العالمية، وتتخذ اجراءات قاسية ضد قطر، فهل يعقل ان تسعى دولة الى ذلك بملء إرادتها وتكابر، أم أن وهم الاعتماد والاستقواء بإيران منعها من رؤية الحقيقة، أو ان القاعدة العسكرية التركية ستجعلها خارج اطار المحاسبة الدولية؟
ربما على الإدارة القطرية النظر جيدا إلى عودة العالم كله لتبني الموقف الخليجي من النظام السوري الذي كانت دولنا أول من حذره من تسليم سورية لإيران التي ها هي اليوم تثبت احتلالها لها بشتى الطرق، فهل تسعى قطر لأن تكون اسيرة بضع طائرات إيرانية محملة بالمواد الغذائية جاعلة من نفسها حصان طروادة فارسي، ألم تر القيادة القطرية ما فعلته إيران في السعودية والبحرين والكويت والإمارات، واليمن ومصر وسورية والعراق ولبنان وليبيا، وبعد كل هذا تتوهم ان نظام الملالي التوسعي لن يبتلعها حين يحكم سيطرته على المنطقة وللأسف بمساعدتها؟
لعلنا كنا محتاجين إلى هذه الازمة كي تتوضح الأمور كافة، حتى يصار إلى معالجة المسألة من جذورها فلا تبقى هناك نار تحت الرماد بين الاشقاء، وأن يصبح عدو صديقي أو شقيقي أو ابن عمي عدوي وليس صديقي، إذ لا يعقل ان يكون العالم كله على خطأ وقطر وحدها على حق وتطلب البرهان؟
أخيراً “جَزَى اللهُ الشَّدَائِدَ كُلَّ خَيْرٍ عَرَفْتُ بِهَا عَدُوِّي مِنْ صَدِيقِي” لقد صدق قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم):”رُفعت الأقلام وجفت الصحف”.. “و”ما تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا” وله سبحانه وتعالى الإرادة في كل شيء.

أحمد الجارالله