قطر 2017 … قطر 1893

كانت لزيارة صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد إلى الولايات المتحدة الأميركية دلالات كبيرة، أكان في توقيتها بحلول الذكرى الثالثة لاختيار الأمم المتحدة سموه قائدا إنسانيا، والكويت مركزا للعمل الإنساني، أو بعد ما يزيد عن ثلاثة أشهر من الأزمة الخليجية التي أجمع العالم على الوساطة الكويتية كممر إلزامي لحلها، وقد ظهرت تباشير الخروج من المأزق في ما قاله سموه أثناء المؤتمر الصحافي المشترك مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
طوال الأشهر الماضية تحمل صاحب السمو الأمير، وحتى في أثناء شهر رمضان المبارك، مشقة كبيرة في الجولات المكوكية على العواصم الخليجية، وأرسل الموفدين إلى الدول من أجل إنهاء الوضع الشاذ انطلاقا من الفهم الكويتي الصحيح لهذا التجمع الخليجي، وإيمان الكويت المطلق أن أهل البيت الواحد تجمعهم قواسم مشتركة أكبر بكثير من الطموحات الخاصة في بعض الدول.
المؤسف أن هذه الحقيقة غابت عن دوائر صنع القرار القطري التي جعلت من اتصال هاتفي بين أمير قطر الشيخ تميم بن حمد وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قضية شبه مصيرية، متقصدة إغلاق نافذة الأمل التي فتحت، فمبادرة الشيخ تميم بن حمد الاتصال بالأمير محمد بن سلمان ليست مذمة لأمير قطر، بل إن ما أثارته كل من وزارة الخارجية القطرية ووكالة الأنباء الرسمية وقناة «الجزيرة” بشأنها يقرأ سياسياً في غير مصلحة الدوحة، وكأن ثمة انقساماً فيها وهذا يعتبر بحد ذاته تشويشا من أهل البيت القطري على الأمير تميم بن حمد.
حفلة قلب الحقائق القطرية التي أعقبت الاتصال الهاتفي بنحو ساعتين لا تبشر بخير أبداً، بل تعيد الأمور إلى المربع الأول، ما يستدعي العمل جدياً على توضيح ما يجري في الدوحة التي هبت منها ريح سموم يبدو المقصود منها إقفال الأبواب على أي حل، إذ إن الانتكاسة هذه أشاعت الحزن في نفوس الجميع، ولا سيما القيادة السياسية الكويتية- التي كان من المفترض بالدوحة التنسيق معها بشأن المكالمة الهاتفية- المعنية أولاً وأخيراً بأي تطور بوصفها الوسيط المتفق عليه دوليا.
ولهذا يدور السؤال حالياً في كل دوائر صنع القرار، أكان في الدول الأربع، أو بقية العواصم العالمية المعنية بإعادة اللحمة والانسجام السياسي لمنظومة “مجلس التعاون” الخليجي: ماذا بعد؟ وإلى أين تسعى بعض الجهات القطرية لأخذ المنطقة؟
لا شك أن وحدة القرار القطري تفسح في المجال لإنهاء سريع للأزمة وفقا للثوابت التي أكدت عليها قمتا الرياض، وخريطة الطريق التي يضعها صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الوسيط الوحيد في هذه الأزمة، ويخفف أيضا من الفاتورة الكبيرة التي تدفعها قطر لمن استقوت بهم، أكانت تركيا أو إيران، إذ إنهما تسعيان إلى الاستحواذ على أكبر نسبة من المكاسب، ما يجعلها في مهب مطامعهما، فيما هي قادرة على توفير ذلك من خلال العودة إلى البيت الخليجي، الذي إذا خرجت منه لن يهدم، فيما تبقى هي عارية من أي حماية، وبالتالي ستعيد سيرتها الأولى، أي ما كانت عليه في أواخر القرن التاسع عشر.
يومذاك، أي في العام 1871، طلب حاكم قطر من العثمانيين حمايته من أي اعتداء خارجي ما أزعج بريطانيا التي دخلت في صراع شبه دائم معه، خصوصا بعدما أدت محاولات العثمانيين إلى زيادة قوتهم في قطر عبر تعيين مسؤولين أتراك في الزبارة والدوحة والوكرة وخور العديد، وإنشاء جمرك في الدوحة وكذلك تعزيز الحامية العثمانية فيها كل ذلك أدى إلى نشوب حرب مع الشيخ قاسم آل ثاني في شهر مارس 1893، وكان الثمن كبيراً جداً وقتها، فهل تسعى بعض دوائر القرار القطري حالياً إلى دفع ثمن آخر إلى تركيا وإيران عبر جعل نفسها حصان طروادة ضد شقيقاتها الخليجيات؟

أحمد الجارالله