محبرة وقلم

“قلب المتيم كاد أن يتفتتا فإلى متى هذا الصدود إلى متى” محبرة وقلم

مشعل عثمان السعيد

مشعل عثمان السعيد

اغلب شعراء الحب يشتكون من اثر الحب على قلوبهم، والحق انهم لا يلامون في ذلك، فالقلب اهم اعضاء جسد الانسان، لانه يضخ الدم في انحاء الجسم، وثمة علاقة وطيدة بين الحب والقلب، فالحب يؤثر على القلب، وقد اثبتت التجارب أن قلب المحب العاشق يكون ضخه للدم اضعف من ضخ القلب الخالي، أعاذنا الله واياكم من الحب وتبعاته , يقول الشاعر:
قلب المتيم كاد ان يتفتتا
فإلى متى هذا الصدود إلى متى؟
بدأ بقلبه مستقر الحب ومكانه الطبيعي، هذا القلب الذي استبد به الحب وأوشك على ان يذهب عقله وتفتت القلب اقصى درجات الحزن، فالى متى هذا الهجران والاعراض والبعد المتعمد، هل له نهاية فيصبر ويتحمل حتى تنجلي هذه الغمة؟ أم ماذا؟ ثم يقول:
يا معرضين عن المشوق تلفتوا
فعوايد الغزلان ان تتلفتا
يا من لم تكترثوا بي وأدرتم وجوهكم عند رؤيتي ويا من تجاهلتموني الا تتعطفوا علي بنظرة، التفتوا الي فأنا من اشتد به الشوق واللهفة اليكم والراغب بكم، لم لا تلتفتون لي ومن عادة الغزلان كثرة التلفت؟ وانتم اشبه ما يكون بالغزلان، ثم تعود ذاكرة هذا الشاعر به الى تلك الايام الرائعة حيث اجتماعه ولقاؤه بهم فيقول:
كنا وكنتم والزمان مساعد
عجبا لهذا الشمل كيف تشتتا؟
بيت حزين ظاهره تذكر الايام الخوالي وباطنه الالم الشديد والتوجع، هو يتمنى لو عادت الامور الى سابق عهدها، ويبدي دهشته وغرابته لتشتت شمله وشمل من احب، ولا غرابة في ذلك، يقول شقران السلاماني القضاعي:
لكل اجتماع من خليلين فرقة
وكل الذي دون الممات قليل
ولكن الواضح انه لم يحسب حسابا ليوم التفرق، فالسعيد لا يفكر بالحزن ما دام سعيدا والامور تسير بأمر من بيده الامر، ثم يختم ابياته قائلا:
صد وبعد واشتياق ولوعة
ما كل هذا الحال يحمله الفتى
أربعة امور شكا منها الصد والبعد والاشتياق واللوعة، فهل يستطيع المرء تحملها؟ الهجران والابتعاد والرغبة الشديدة في لقائهم والحزن والوجد الشديد، لا شك انها امور ثقيلة على النفس والقلب، وليس لهذه الامور دواء الا التحلي بالصبر.
هذه الابيات استمعنا لها بصوت شيخ الفنانين الكويتيين: عبداللطيف عبدالرحمن العبيد الشهير بالكويتي رحمه الله يغنيها «موال» قبل اغنيته الشهيرة «تريد الهوى لك على ما تريد» وكنت ابحث عن صاحب هذه الأبيات ظنا مني ان شاعرها اموي او عباسي فلم اجدها وحزنت كثيرا بسبب ذلك، وكنت اذهب الى شركة “رومكو” بين الفينة والاخرى بحكم عملي الصحافي في تلك الايام، وكان الى جوار الشركة مكتبتان او ثلاث، وفي احد الايام رأيت لوحة على المكتبة المجاورة مكتوبا عليها «تصفية عامة» ففرحت فرحا شديدا لنهمي في قراءة كتب التاريخ والادب وولجت المكتبة مسرعا خوفا من نفاد الكتب وفعلا لم اجد الا سلسلة «شذرات الذهب… في اخبار من ذهب» للمؤرخ الفقيه الاديب: ابي الفلاح عبدالحي بن العماد الحنبلي المتوفى سنة 1089 هـ، وهو اربعة اجزاء، كل جزء يتجاوز 800 صفحة وبينما انا اقلب الجزء الثالث واتأمل وفيات العام 779هـ، اذ بي اجد الابيات فاذا قائلها اديب شاعر من كبار امراء المماليك في القرن الثامن الهجري، وهو الامير الفاضل ناصر الدين محمد، ويقال له: الامير البدري «حسن كلي» وهو كماقلت لكم من كبار امراء مصر في تلك الفترة كان فقيها حنبليا فاضلا على درجة كبيرة من الذكاء وهو احسن الناس خطاً، له اشعار جميلة في غاية الرقة، وفي نفس العام الذي توفي فيه هذا الامير كان سلطان الديار المصرية الملك المنصور علاء الدين علي بن السلطان الملك الاشرف زين الدين شعبان ابن الامير الملك الامجد حسين ابن السلطان الملك الناصر محمد ابن السلطان الملك قلاوون الالفي الصالحي، السلطان الثالث والعشرون من ملوك الترك بالديار المصرية «النجوم الزاهرة»، وهؤلاء المماليك الذين تسلطنوا فترة طويلة من الزمن اول من قربه واشركهم في ادارة الحكم صلاح الدين بن يوسف بن ايوب، واول حكم منهم شجرة الدر الملقبة عصمة الدين ام خليل جارية السلطان الصالح نجم الدين ايوب التي كانت نهايتها القتل بضربها بالقباقيب على رأسها ايام عز الدين ايبك، وبه بدأ حكم المماليك البحرية منذ العام 1250 م الى آخر سلاطينهم الصالح زين الدين حاجي سنة 1382م، ثم بدأ حكم سلاطين دولة المماليك البرجية الشركسية بالظاهر سيف الدين برقوق بن انس اليبغاوي «1382 – 1399 م» واخرهما الاشرف طومان باي ابو النصر، يقول المؤرخ ابن اياس وهو شاهد عيان اسره جيش السلطان سليم بعد قتال عنيف بين جيش العثمانيين الضخم والمماليك، ثم اعدم شنقا وظلت جثته معلقة ثلاثة ايام ثم دفنت في قبة السلطان العذري، وبموته انتهت دولة المماليك سنة 1517م.

معلومة تاريخية «الالفي» المملوك الذي اشتري بألف دينار, اكتفي بهذا القدر، جف القلم ونشفت المحبرة، في أمان الله.

كاتب كويتي
Mshal.ALSaed@gmail.com