قلعة الديمقراطية بلا ديمقراطية…ماذا عن الكويت؟

0 106

حسن علي كرم

رئيس الوزراء البريطاني الجديد بوريس جونسون الذي حل قبل أسابيع قليلة محل رئيسة الوزراء المستقيلة تريزا ماي، بعد ادائها المتواضع وتعثرها إزاء خروج بريطانيا من عضوية الاتحاد الاوروبي، وهو القرار الذي اتخذته الاغلبية البريطانية اثر التصويت على الخروج في عام 2015.
من يرى جونسون يمشي، او يتحرك، او يتحدث يقول عنه انه غير متزن، لكن الرجل لا يبدو هكذا، كما يصفه خصومه، فالرجل كما يبدو عبقري وتفكيره زايد حبتين عن الاخرين.
عندما كان يسعى الى جمع المؤيدين من حزبه (المحافظين) للحصول على الأكثرية ليقوده، قال انه لن ينتظر يوماً واحداً نهاية أكتوبر وسيدير ظهره الى أوروبا، مودعاً الاتحاد، لكن مع اقتراب موعد الخروج يبدو ان المعارضين للخروج دون اتفاق من داخل مجلس العموم البريطاني سيعرقلون قرار جونسون، الامر الذي قد يطيل الخروج، او قد يبقي بريطانيا مكبلة داخل قفص الاتحاد، لكن لا يبدو ان محاولات العرقلة سوف تجدي، في ظل قرار لا رجعة عنه بالخروج.
ان عرقلة المعارضين ما هي الا تسويف وضياع وقت، السيد جونسون ازاء المطالبات البرلمانية بالاتفاق قبل الخروج، وجد نفسه محصوراً، فقفز من خانة الديمقراطية الى القرار الفردي، واضعاً الديمقراطية البريطانية العريقة على الرف موقتاً، ريثما يتم توقيت الخروج بلا معوقات، وافشال خطط المعارضين، فهل خان جونسون الذي وصل الى سدة البرلمان عضوا منتخباً من الناخبين، ثم الى قيادة حزب المحافظين، الحزب البريطاني الأعرق، واخيراً رئيساً للحكومة، هل خان الديمقراطية البريطانية الأقدم في العالم” وانها مناورة معادية للديمقراطية وفضيحة وتهديد لديمقراطيتنا” وفق وصف زعيم حزب العمال جيريمي كورين، او وفق وصف رئيس مجلس العموم جون بيركو الخطوة” انها فضيحة دستورية”، ام في نفس جونسون نزعة الديكتاتورية والانفراد بالقرار، ام ان الظروف افضت ليتخذ القرار مكرهاً؟
كل ذلك بالطبع لا يعنينا كويتياً، فبين ديمقراطيتنا التي لا زالت محل التجربة ومحل خيبة المواطن، والديمقراطية البريطانية (الام) قروناً سحيقة، لكن تبقى هناك الظروف المشابهة أحياناً التي تجعلك تتخذ القرارات مكرهاً.
لا شك نحن، كدولة وكشعب، محسودون على ديمقراطيتنا، وسط محيط من الديكتاتوريات والانظمة الفردية والحروب الاهلية، الا ان ديمقراطيتنا لم تولد ولادة طبيعية وفي الاجواء الملائمة، لكن الظروف التي سادت انذاك فرضت ولادة غير طبيعية لديمقراطية مفروضة، ومجتمع لم يتعلم الف باء الحكم ولا اشتراطات الديمقراطية، لذلك كل، او غالبية، سياسيينا من النواب السابقين والحاليين والوزراء، لم يكونوا الا انتهازيين، اتخذوا من البرلمان سلماً للوجاهة والتكسب، لذلك من الطبيعي ان تتعرض ديمقراطيتنا الى الكثير من الهنات والعثرات والتخبط.
ما نحتاج اليه اليوم لا أن نرجع بوصلة الزمن الى الوراء، فالزمن لا يعود الى الوراء، لكن ان نقف ولو لفترة تأمل ومراجعة لثمرة الخمسين السنة من الديمقراطية الخاطئة التي حصدناها، وهل ديمقراطيتنا أثمرت ثماراً ناضجة للأمة ام كانت حصاداً مراً عليها؟
ديمقراطيتنا لم تكن عن قناعة ،ولا لنضوج الامة والحاجة للحكم الديمقراطي، والمشاركة الشعبية، لذلك ان تتعرقل من حين لآخر، مرة بالحل غير الدستوري للمجلس ومرة بالقطع في منتصف الطريق والانتخابات المبكرة، الامر الذي بات المواطن ييأس ويفقد الأمل والثقة بمجلس ينتقل من فشل الى فشل، والنتائج من سيئ الى اسوأ، وحكومات وزراؤها مجرد كبار موظفين، اختيارات لا تدل على الكفاءة والرجل المناسب، وفساد يتسع ولا يتقلص، ونواب حنثوا بقسمهم وضمائر فاسدة تشترى بالمال وأشياء اخرى ومجتمع يعاني الطبقية والفئوية والقبلية والمذهبية والتلاعب بمواد الجنسية، ودفع الأبناء جناية الاباء، ناهيك بتجنيس غير مستحقين لترضية نواب لشراء سكوتهم على اخطاء الحكومة، و أراضي الدولة تُستباح وتنهب، مزارع وقسائم صناعية وتخزين وجواخير وشاليهات وإسطبلات، لتمنح لنواب ومقربين ونافذين، ووافدون يتحكمون بمفاصل الدولة، فهل هناك أمل باصلاح في ظل الأسوأ، كان المجتمع قبل نشوء الديمقراطية والبرلمان منفتحاً ومساحة الحريات أوسع، لكن مع تغلغل التيارات الدينية والظلاميين وسيطرتهم على البرلمان والحكومة، انتقل مجتمعنا من مجتمع منفتح الى متزمت ظلامي.
لقد حان الوقت للمراجعة واعادة ديمقراطيتنا على السكة الصحيحة، ان ديمقراطيتنا فاشلة ودستورنا جامد لا يساعد على التطور الطبيعي للأمة، والفساد ينخر في أضلاع الدولة، هذا ناهيك بسوء الخدمات وضعف الرقابة وتخلف التعليم وتزايد أعداد البطالة وغياب الرؤية للمستقبل، و غير ذلك من الامراض التي باتت معضلة وعلاجها يستعصي كلما تأخر العلاج.
إن الاختيارات الخاطئة لا تفضي الا للحلول الخاطئة، فرغم وجود كل أدوات الرقابة والاصلاح، الا ان الرقابة بقيت مشلولة، والاصلاح في العناية المركزة، لذلك لا اصلاح إلا بوقف مسيرة المجلس، ومراجعة نتائج السنوات الماضية من الديمقراطية الخربة، فالامراض لا تشفى بالتأجيل، انما بالعلاج الناجع.
لقد اتخذ رئيس الوزراء البريطاني الخطوة الجبارة وغير المعهودة، وذلك بتعطيل الديمقراطية لتمرير الـ”بريكست” آمناً، فهل يتخذ رئيس وزرائنا الخطوة المماثلة بغية تمرير الاصلاح ووضع ديمقراطيتنا على السكة الصح؟

صحافي كويتي

You might also like